بيروت - لبنان

اخر الأخبار

28 آب 2025 12:00ص مفتي مصر في محاضرة علمية بمملكة تايلاند: الوسطية الإسلامية تضمن تحقيق التوازن في جميع مجالات الحياة

المفتي عيّاد يلقي محاضرته المفتي عيّاد يلقي محاضرته
حجم الخط
أكد الدكتور نظير محمد عيّاد، مفتي مصر، على أن الوسطية في الإسلام تتجلّى في كثير من المعاني التي دعا إليها الإسلام، وتظهر جليّة في علاقة الإنسان بخالقه سبحانه وتعالى، وعلاقته بأخيه الإنسان وعلاقته مع سائر المخلوقات والبيئة التي يعيش فيها، وقد كان الاهتمام خاصاً في بناء الفرد والمجتمع تربوياً وثقافياً واجتماعياً واقتصادياً وعسكرياً وسياسياً وروحياً وأخلاقياً على الوسطية والاعتدال والتوازن، وكلام عيّاد جاء خلال المحاضرة العلمية التي ألقاها بجامعة الأمير سونغكلا جنوبي مملكة تايلاند تحت عنوان «الوسطية في مجتمع متنوّع» على هامش زيارة رسمية للبلاد.

الوسطية في العبادة

وأضاف عيّاد أن مظاهر الوسطية في الإسلام كثيرة ومتنوعة، ومن أهمها الوسطية في العبادة، فمن ينظر إلى العبادة في الإسلام يجد أنها تتسم بالوسطية والاعتدال، وأنها بعيدة كل البُعد عن الغلو، فلا إفراط فيها ولا تفريط، وقد جاء التوسط في العبادات الإسلامية منسجماً مع نعمة الله تعالى على هذه الأمة المحمدية بأن جعلها أمة وسطاً، فالعبادات في الإسلام ليست على حالة واحدة أو وقت واحد وإنما متنوعة وفي أوقات مختلفة حتى تكون ميسّرة على الجميع.
فالإسلام يرفض الغلو في العبادات، لأنها تؤدي بالمسلم إلى التهلكة، والإسلام جاء ليحارب كل ما يؤدي إلى إلحاق الضرر بالمسلم، قال تعالى: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.
وطبق النبي صلى االله عليه وسلم الوسطية في العبادة فعن أنس بن مالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: جَاءَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى االلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى االلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى االلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَداً، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلاَ أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَداً، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى االلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي». فالشريعة الإسلامية مبناها على اليسر ورفع الحرج والتخفيف والرحمة والسماحة كما قال تعالى: {يريد ربكم اليسر ولا يريد ربكم العسر}، وقال سبحانه: {ما يريد ليجعل الله عليكم من حرج}، وقال عزّ وجلّ: {ذلك تخفيف من ربكم ورحمة}، واليسر والعسر في جميع الأحوال الدنيوية والأخروية.

الوسطية في التعامل مع الآخرين

وقال: الوسطيّة تعني أيضاً الاعتراف بالحرية للآخرين، ولا سيما الحريّة الدينية المشروعة في الإسلام في قول الله تعالى: {لا إكراهَ في الدّين قد تبيّنَ الرُشد من الغيِّ}، بل إن الإسلام يأمرنا باحترام المعتقدات الدينية للآخرين فقد قال سبحانه وتعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
فالإسلام دين يدعو إلى التسامح والاحترام المتبادل بين الأديان الذي يؤدي إلى زرع الحب والاحترام في قلوب الناس جميعا، مما يحقق الوحدة بين أبناء الوطن الواحد.
ومن مظاهر الوسطية في الدين الإسلامي أمر بالتزام العدل مع الجميع حتى مع المخالفين، حيث بني الإسلام علاقة متوازنة بين المسلمين وغيرهم من حيث الحقوق والواجبات؛ قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً}.

الوسطية في الدعوة

وأِشار عيّاد إلى أن الوسطية في الإسلام تعني كذلك التزام المنهج الوسطي في الدعوة إليه، لأن الهدف من هذا الدين هو هداية الناس أجمعين دون أن تقتصر الدعوة على جنس بذاته، أو قوم بذاتهم، أو مكان معين؛ فهي موجهة إلى الناس كافة، قال تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}.

الوسطية في الحياة

وقال أن الوسطيّة تعني أيضاً الجمع بين العمل للدنيا وإعمارها وتنميتها والعمل لللآخرة كذلك، لأنّ العمل الصحيح يكون للدنيا وللآخرة معا، لقوله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}.
ولا يمكن أن نحكم على الإسلام بالتشدّد من خلال تصرفات بعض المنتسبين إليه، لأن منهج الشرع الشريف واضح في التزام التيسير والوسطية، فمبادئ الإسلام وأصوله قائمة على ما يحفظ السلم والسلام العالمي، ويقيم العدل والأمن في العالم أجمع، وبين أبناء البشر بلا تفرقة أو تمييز، ويوفّق بين حاجاتهم وواجباتهم، ويكفل لهم الحقوق الإنسانية التي تحفظ النسل البشري والعقل الإنساني، ومقومات الحياة المادية والاجتماعية.
وهذا الفكر الوسطي المعاصر المطلوب ينتهي إلى ما جاء به النبي صلى االله عليه وسلم من المنهج الوسط الذي وازن بين الفرد والمجتمع في الحقوق والواجبات بلا إفراط ولا تفريط وأقام على هذا النهج الأمة الوسط التي كانت خير أمة أخرجت للناس.
وأوضح فضيلة المفتي أن الحضارة الإسلامية قد انطلقت من تعاليم الدين الإسلامي، ومثّلت أرقى حالات التسامح والتعايش الإيجابي بين الأمم والشعوب من مختلف الحضارات والثقافات والأديان والأجناس، ولا تزال هذه التعاليم الإسلامية قادرة على توجيه سلوك وتعامل المسلمين مع غيرهم في كل زمان ومكان، فالدين الإسلامي في مجمل أحكامه وتشريعاته دينٌ وسطي، يدعو إلى التسامح والاحترام المتبادل بين الأديان، مما يحقق الوحدة بين أبناء الوطن الواحد، مضيفا أن التسامح قد تجسّد في تعاليم الإسلام، حيث رسم الإسلام أسس الحياة الجديدة في المجتمع بأسره، فأزال الفوارق بين الطبقات والطوائف، فجعل مقياس التفاضل هو العمل الصالح، وقوّم الحياة الاقتصادية؛ فحرّم جميع أشكال المعاملات الجائرة والظالمة، واهتم بالجوانب العقلية، وحثّ على إعمال العقل من خلال التفكّر والتدبّر، ولم يقف عند هذا الحد، بل تجاوز الاهتمام إلى تنظيم الحياة الاجتماعية، وتقوية الترابط الاجتماعي، والشعور بالانتماء، حتى تستقيم وتنتظم أحوال المجتمع الإسلامي.
وبيّن المفتي أن للتسامح في الحضارة الإسلامية أيضا الكثير من المظاهر، ومن أهمها:
الاعتراف بالحرية للآخرين، ولا سيما الحرية الدينية المشروعة في الإسلام في قول الله تعالى: {لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغيّ}، بل إن الإسلام أمرنا باحترام المعتقدات الدينية للآخرين؛ فقد قال سبحانه وتعالى: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زيّنا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون}.
وفي ختام محاضرته شدَّد المفتي عيّاد على أن القضية الفلسطينية ستظل قضية العرب والمسلمين المركزية، وأن الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني هو التزام ديني وأخلاقي وإنساني، مؤكداً على الموقف المصري الثابت في دعم حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، وفي مقدمتها حقه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، باعتبار ذلك تطبيقاً لمبادئ العدل التي أمر بها الإسلام وركيزة أساسية لتحقيق الأمن والسلام في المنطقة والعالم.