21 أيار 2026 12:00ص «مواكب النور في دروب الهلاك: ذاكرة الحج قديماً» (5)

كسوةُ الكعبةِ المشرَّفة.. حياكةُ النورِ بخيوطِ الذهبِ والولاء

حجم الخط
إذا كان «المحمل» هو جسد الموكب وهيبته السياسية، فإن «كسوة الكعبة المشرّفة» كانت روحه، وجوهر مقصده، ودرّة تاجه الروحية. لم تكن الكسوة عبر التاريخ مجرد قطعة من القماش الفاخر تُغطى بها جدران البيت العتيق لتقيها عوادي الزمن، بل كانت «أمانة التاريخ الكبرى» التي تتسابق الأمم والملوك لنيل شرف حياكتها، وتجسيداً حيّاً لأعلى فنون الحرفية الإسلامية التي امتزج فيها طهر العقيدة بدقّة الصنعة الحرفية. في هذه الحلقة، نكشف الستار عن رحلة «ثوب الكعبة المعظّم»، من أنوال الحياكة التقليدية في أزقة القاهرة القديمة، إلى لحظة العناق المهيب مع جدران البيت الحرام في يوم الزينة الأكبر.

*****

• الجذور التاريخية.. من «الخصف» البديع إلى الديباج المذهّب

عبر العصور الإسلامية المتعاقبة، تطورت المادة التي تُصنع منها الكسوة بتطور اقتصاد الدول ونفوذها السياسي؛ فبعد أن كانت الكعبة تُكسى في الجاهلية وصدر الإسلام بالجلود، أو الحبرات، أو الثياب اليمانية المخططة، دخلت الكسوة عصراً جديداً من الأبهة والفخامة مع صعود الدولتين الأموية والعباسية. ويذكر المؤرخون أن الخليفة «المهدي العباسي» كان أول من أحدث تحوّلاً جذرياً في هذا المضمار؛ إذ زار البيت الحرام وشكا إليه السدنة أن الكسوات القديمة تراكمت فوق جدران الكعبة حتى كاد ثقلها يهدّد بنيانها بالانهيار، فأمر الخليفة فوراً برفع الأثواب القديمة كلها، ووضع كسوة واحدة جديدة مصنوعة من «الخز» (الحرير الخالص) والقباطي المصرية، مرسياً بذلك سنة «التجديد السنوي الكامل» التي اتبعها الملوك والسلاطين من بعده حتى يومنا هذا.
ومع انتقال مركز الثقل السياسي والإداري إلى مصر والشام في العهدين الأيوبي والمملوكي، استقرّ لـ «مصر» حق الامتياز التاريخي والصدارة في صناعة هذا الثوب المقدس. يذكر المؤرخ العلّامة تقي الدين المقريزي في موسوعته الشهيرة «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» (الخطط المقريزية) أن السلاطين المماليك أحاطوا الكسوة برعاية استثنائية، وجعلوا لها أوقافاً خاصة لا تُمسّه الأزمات الاقتصادية. كانت الكسوة تُغزل من أفخر أنواع الحرير «القبطي» الأبيض والأسود الذي اشتهرت به مدن الوجه البحري كـ «تنيس» و«دمياط» و«الإسكندرية»، قبل أن تنتقل الصنعة وتتمركز بالكامل في قلب القاهرة لتستقر في الدار الرسمية للكسوة.

• «حي الخرنفش».. محراب الحرير والذهب والأنامل المبدعة

في قلب القاهرة الفاطمية، وتحديداً في «حي الخرنفش» التابع لمنطقة الجمالية العريقة، تأسست «دار كسوة الكعبة المشرّفة» رسمياً بمرسوم من محمد علي باشا الكبير عام 1233هـ (1818م). ولم تكن هذه الدار مجرد مصنع أو ورشة حكومية، بل كانت بمثابة «محراب فني وروحي» لا يطأ عتبته إلّا الصفوة من كبار الصناع والحرفيين الذين كانوا يُلقبون بـ «الأسطوات». ويصف الرحالة والمؤرخون الذين زاروا الدار في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين بأنها كانت تضم عشرات الأنوال اليدوية الضخمة المصنوعة من خشب الجوز المتين، حيث كان الصنّاع يشتغلون في صمت مهيب يشبه جلال المساجد، تقديساً وإجلالاً للمادة التي تطأها أيديهم.
كانت الكسوة تُصنع من الحرير الطبيعي الخالص المصبوغ باللون الأسود الداكن، وتُطرز بأسلاك الذهب والفضة الخالصة المستوردة خصيصاً من الخلافة العثمانية أو من حواضر أوروبا. ويضعنا المؤرخ الكبير عبد الرحمن الجبرتي في كتابه التاريخي «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» في تفاصيل هذه الحرفة الدقيقة؛ حيث يشير إلى أن عملية التطريز كانت تعتمد على أسلوب «البارز». يبدأ الخطاطون أولاً بكتابة الآيات القرآنية بالخط الثلث الجلي على قماش قطني سميك، ثم يأتي دور «المطرزجية» الذين يحشون الفراغات داخل الحروف بقطن خاص أو خيوط قطنية سميكة لتصبح بارزة عن السطح، وبعد ذلك تُغطى هذه الحروف البارزة وتُلف بخيوط الذهب والفضة بإبر طويلة ودقيقة، لتظهر الحروف القرآنية في النهاية وكأنها سبائك من النور الخالص منحوتة فوق سواد الديباج الحريري. وكانت «ستارة باب الكعبة» (التي تُعرف بالبرقع) هي القطعة الأكثر تعقيداً وكثافة في التطريز؛ إذ كانت تستغرق وحدها شهوراً من العمل المتواصل ليل نهار نظراً لكثرة الزخارف الهندسية والنباتية والآيات المحشوة بالذهب فيها.

• فلسفة الألوان والرموز السيادية فوق أستار البيت

لم يكن اختيار اللون الأسود للكسوة خياراً ثابتاً عبر العصور؛ فالكعبة كُسيت في عهد الفاطميين باللون الأبيض الناصع، وكُسيت في عهد المماليك باللون الأصفر أو الأحمر في بعض المناسبات. إلّا أن الاستقرار النهائي على اللون الأسود جاء ليعطي مهابة ووقاراً لا يضاهى للبيت العتيق، وليشكّل خلفية بصرية مثالية تبرز لمعان الذهب والفضة في «حزام الكعبة» (الحلية الشريفة) الذي يحيط بالبيت من جهاته الأربع على ارتفاع تسعة أمتار من الأرض.
هذا «الحزام» لم يكن مجرد زينة دينية، بل كان يحمل دلالات سياسية وسيادية بالغة الأهمية في عصر «المحامل»؛ فإلى جانب الآيات القرآنية المحكمة مثل قوله تعالى: «جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام»، كان يُطرز على الكسوة نص صريح يحمل اسم السلطان أو الخديوي أو الملك الذي أمر بصناعة الكسوة من ماله أو أوقافه، مع ذكر تاريخ الصنع والدعاء له بالنصر والتمكين. ويذكر الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة في رحلته أنه وقف مليّاً يتأمّل أستار الكعبة ويقرأ اسم السلطان المملوكي المطرز بخيوط الذهب، مبيناً كيف كان الحجاج من مختلف بقاع الأرض يقرؤون هذه الأسماء بإجلال، معتبرين أن لقب «خادم الحرمين الشريفين» ليس مجرد تشريف، بل هو تكليف يتجسّد في هذا الثوب الذي يلتف حول قبلة المسلمين.

• مراسم «الغسل والتبديل».. اللحظة المهيبة لانخلاع القلوب

عندما كانت قوافل المحمل تصل إلى مكة المكرمة محملة بالصناديق الخشبية الخضراء التي تحوي أجزاء الكسوة، كان الحرم المكي يتحوّل إلى خلية نحل استعداداً لـ «يوم الزينة الأكبر». يصف لنا الرحالة الأندلسي ابن جبير في وثيقته التاريخية هذه الأجواء، معتبراً إياها «لحظة تنخلع لها القلوب شوقاً ومهابة». ففي يوم التاسع من ذي الحجة (يوم وقفة عرفات)، حين يخلو المسجد الحرام من معظم الحجيج الذين صعدوا إلى جبل الرحمة، يبدأ سدنة بيت الله الحرام من (بني شيبة) برفع الكسوة القديمة وتشميرها إلى الأعلى، وهو ما يُعرف في الأدبيات المكية بـ «إحرام الكعبة»، كاشفين عن الحجارة البازلتية العتيقة للبيت.
ومع إشراقة صباح يوم العاشر من ذي الحجة (عيد الأضحى المبارك)، تبدأ عملية إلباس الكعبة كسوتها الجديدة. ويصف الرحالة السويسري لويس بيركهارت (الذي عاين هذه المراسم بدقة في رحلته) كفاءة السدنة في التعامل مع أوزان القماش الثقيلة؛ حيث كانت قطع الكسوة الأربع تُرفع إلى سطح الكعبة بواسطة حبال وبكرات ضخمة، ثم تُسدل ببطء من الأعلى إلى الأسفل، ويتم ربط القطع ببعضها البعض وتثبيتها في الحلقات النحاسية المستقرة في قاعدة البيت (الشاذروان)، وسط صيحات التكبير والتهليل وضجيج الدعاء الذي يملأ أركان المسجد الحرام.
أما الكسوة القديمة المستبدلة، فلم تكن تُرمى أو تُهمل، بل كانت تُمثل «كنزاً روحياً وتبركياً» لا يُقدر بثمن؛ إذ كان السلطان أو شريف مكة يتولى تقطيعها وتوزيعها وفق بروتوكول صارم كمنح وتكريم للملوك، والأمراء، والعلماء، وكبار أعيان العالم الإسلامي. وكان الحصول على قطعة صغيرة من «حزام الكعبة» أو جزء من كتابة آية قرآنية، يُعد أعظم وسام وإرث يمكن أن يقتنيه مؤمن في حياته، فيورثه لأبنائه تبركاً وصوناً.

• أوقاف الكسوة الشريفة.. اقتصاد العطاء والوفاء المستدام

لم تكن الميزانيات الضخمة المخصصة لصناعة الكسوة وشراء الحرير الصافي والذهب الخالص تُترك للتقلبات السياسية أو لأهواء الخزائن العامة للدول، بل استحدث لها المسلمون نظاماً عبقرياً هو «نظام الأوقاف المستدامة». ويذكر التاريخ الإسلامي بكثير من الإجلال أن الملك الصالح «إسماعيل بن الناصر محمد بن قلاوون» قام في القرن الثامن الهجري بشراء قرية كاملة بضواحي القاهرة تُدعى قرية «بيسوس» وقرية «سندبيس»، وأوقف ريعهما المالي بالكامل لصالح صناعة كسوة الكعبة المشرفة وتأمين أجور صنّاعها بلا انقطاع.
وعندما تسلّم العثمانيون زمام الخلافة، حافظوا على هذا الوقف الفريد بل ووسعوه بما عُرف بـ «أوقاف الحرمين الشريفين»، والتي كانت تضم آلاف الأفدنة الزراعية والعقارات التجارية في مصر، والشام، والأناضول. كان ريع هذه الأوقاف يُجمع بدقة ويُرسل إلى «حي الخرنفش» لشراء مستلزمات الحياكة. هذا الاستقلال المالي الصارم جعل من صناعة الكسوة «مؤسسة وطنية مستقلة» تستمر في العمل حتى في أحلك سنوات القحط، أو الأوبئة، أو الاضطرابات السياسية، مما يؤكد أن «ثوب البيت المعظم» كان دائماً يترفع فوق الخلافات السياسية والصراعات العسكرية، بصفته رمزاً لوحدة الأمة واتصالها الروحي بمركزها الوجودي.
لقد كانت كسوة الكعبة المشرّفة، عبر تلك الخيوط الذهبية والفضية الفاخرة التي نُسجت بحب في القاهرة، وحُملت بحراسة مشددة في دمشق، واُستقبلت بدموع الشوق والتكبير في مكة، هي «العروة الوثقى» التي ربطت حواضر العالم الإسلامي ببيتهم العتيق. إن تلك الغرزات الدقيقة التي أبدعتها أنامل «الأسطوات» المجهولين في أزقة القاهرة لم تكن مجرد مهارة يدوية، بل كانت صلاة صامتة، وحباً صادقاً تجسد في ثوبٍ أسود يلف قلوب الملايين من البشر.
واليوم، ونحن نرى الكسوة الشريفة تُصنع في «مجمع الملك عبد العزيز لكسوة الكعبة المشرّفة» في مكة المكرمة بأحدث التقنيات الرقمية والآلية، لا بد لنا كباحثين وقراء أن نستذكر بتقديرٍ عالٍ تلك الأيام الخوالي، وتلك الأنوال الخشبية القديمة، حين كان «خيط الذهب» يقطع الفيافي والقفار ليوصل رسالة حب ووفاء من حواضر التراث إلى قلب مكة، مؤكداً أن الأمة لا تزال على العهد والولاء لقبلتها المعظمة.

- يتبع: أسرار «الأسطوات».. كواليس الصناعة وعجائب «برقع» الكعبة.