لقد أخفقت الدولة اللبنانية في التوفيق بين الحرية والنظام، وبالأساس لم تكن لدينا سياسة دفاعية جادّة بل كان الأمن الوطني مكشوفا لأطماع العدو الإسرائيلي التي أكدتها المذكرة الصهيوني الى مؤتمر فرساي عام 1919، والتي تطالب بكل الجنوب حتى بوابة صيدا، وفي عام 1967 احتل جيش العدو الإسرائيلي أراضي مزارع شبعا في سفوح جبل الشيخ على الحدود اللبنانية - السورية - الفلسطينية ، وطردت نحن ثلاثين ألفا من السكان اللبنانيين واقتطعت نحو مئتي كلم2 من الأراضي اللبنانية دون أن يدخل لبنان في الحرب.
ومنذ أواخر الستينات دخل العامل الفلسطيني جراء دخول اللاجئين على أثر نكبة 1948، ونكسة 1967 عاملا إضافيا في الأزمات وقد أفرزت اتفاقية بين قائد الجيش اللبناني آنذاك في عهد الرئيس شارل الحلو وبين المقاومة الفلسطينية في لبنان، أطلق عليها تسمية «اتفاقية القاهرة» حيث جرى توقيعها في العاصمة المصرية، وفي أعقاب حرب 1973 بين مصر وسوريا والكيان الإسرائيلي تم توقيع على اتفاقية «ملكارت» بين الدولة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية، فإزدادت المشاكل على أثرها وبسببها.
ثم اندلعت الحرب العبثية منذ 17 نيسان 1975 بين الأطراف اللبنانية صنّفت حينها بين اليمين واليسار، وانفجرت الحروب الملشيوية المذهبية وشهد لبنان انفجارا أخطر تمثل في ردود فعل عنيفة بين عدة مشاريع من انفصالية وتقسيمية، واجتاحت قوات الجيش الإسرائيلي بيروت عام 1982 التي أفرزت اتفاق 17 أيار 1983 وتم اسقاطه، وفشلت محاولات التوفيق بين المليشيات المتصارعة من خلال مؤتمر جنيف في 17/11/1983 ومؤتمر لوزان في 12/3/1984، وهذا ما أدّى للإحباط والشلل واليأس من الحلول، وكان من أبرز معالمها فراغ سدة الرئاسة في 24/9/1988 وانقسام الحكومة الى حكومتين، وكل ذلك تم أثناء الوصايا السورية المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية.
ان أسباب الحرب التي تجمعت في لبنان قبل عام 1975 نختصرها بالآتي:
• الأطماع الصهيونية.
• الصراع الدولي.
• الخلافات الإقليمية.
• النزاع الداخلي اللبناني.
لم تتوقف محاولات معالجة الأزمة اللبنانية لكنها كانت ناقصة يستحيل معها الإقلاع بإستقرار الوضع في لبنان، ولأنها كانت معاكسة لحقائق الوضع الذي أظهرته أو أفرزته الأزمات المتعاقبة، ولم تفلح المبادئ التي أعلنها الرئيس إلياس سركيس وهي مبادئ للوفاق الوطني دون طرح الإصلاح الجذري كما فرغت قوى فاعلة هذا الوفاق من مضمونه.
ثم سادت في ظل هذه الأجواء ومسألة الأقليات في لبنان والوطن العربي تبيّن بتخطيط صهيو- أميركي (كيسينجر وبريجنسكي).
وإذا كانت الأقليات وفق ما أطلق كمصطلح يهدف الى إثارة نعرات إثنية لم تكن مطروحة في لبنان لأنها كانت جزءا لا يتجزأ من تكوين لبنان قبل إعلان دولة لبنان الكبير حيث استقبل سكان لبنان في حينه كل من الأرمن والأكراد والسريان وآخرين بعد ان اندلعت الحرب العالمية الأولى حيث تحالفت الدولة التركية مع ألمانيا ما أدّى الى خلافات بين الأتراك والأرمن وأكراد تركيا والعراق والسريان في تركيا وسوريا والعراق وتفاقمت الى ان اندلعت المعارك بينهم، ومع إعلان دولة لبنان الكبير ثم نيل الاستقلال تزامنت هذه الأحداث الجسام مع ذوبان كل من الأرمن والأكراد والسريان في المجتمع اللبناني وأصبحت جزءا من الكل.
ومؤخراً وعلى أثر الحرب العراقية ودخول القوات الأميركية الى العراق تم تهجير عدد كبير من الكلدان والآشوريين.. وأصبحوا جميعهم جزءاً من النسيج اللبناني مع احتفاظهم بخصوصياتهم وسماتهم الشخصية.
لقد اختبر اللبنانيون بأن بلدهم قام بالأساس بين المسلمين والمسيحيين ولا يستقر إلْا بهما، وإن كل فتنة كانت تحدث من جراء تدخّل الأجنبي فيه واستغلاله للنعرات الطائفية والمذهبية.
وبعد إفلاس القوى المتناحرة في لبنان وفي ظل التضامن العربي لحل الأزمة اللبنانية واستقرار دولي أنتج وثيقة الوفاق الوطني – إتفاق الطائف – التي حافظت على جوهر الميثاق الوطني اللبناني لعام 1943، وأصبحت المقاعد مناصفة بين اللبنانيين والسلطة الإجرائية أصبحت بيد مجلس الوزراء مع رئيس الجمهورية.
لقد ترك الاتفاق الباب مفتوحاً لإجراء حوار ديموقراطي بين اللبنانيين لإلغاء الطائفية السياسية فنص في باب الإصلاحات السياسية على ان: إلغاء الطائفية السياسية هو هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية، وعلى مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الاجراءات الملائمة لتحقيق هذا الهدف وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية تضم بالإضافة الى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية، ومهمة الهيئة دراسة وإقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية وتقديمها الى مجلس النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية.
ان اتفاق الطائف لم يكتفِ بطلب إلغاء الطائفية السياسية، بل حدّد المنهج العام التنفيذي للتوصل إليه بما يبقي ذلك الأمر بيد اللبنانيين فيما بينهم، ومهّد إليه عبر ما رسمه من بعض الخطوات لما أسماه المرحلة الانتقالية وهي إلغاء قاعدة التمثيل الطائفي واعتماد الكفاءة والاختصاص في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات العامة والمختلطة والمصالح الخاصة بإستثناء الفئة الأولى.
كما استحدث الطائف على مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياتها في القضايا المصيرية..
ودفع الطائف بإتجاه اللامركزية الإدارية بما تعنيه من توسيع لصلاحيات المحافظين والقائمقامين وتمثيل جميع إدارات الدولة في المناطق الإدارية على أعلى مستوى ممكن، واعتماد خطة إنمائية موحّدة شاملة للبلاد قادرة على تطوير المناطق اللبنانية وتنميتها.
وفي الوقت نفسه حسم الطائف هوية لبنان، وبأنه وطن نهائي لجميع أبنائه.
أمام كل ما أتى ذكره فإننا نؤكد على ضرورة إجراء الإصلاحات التي نختصرها بالآتي:
1- تطبيق جميع مواد الدستور.
2- إطلاق المجلس الدستوري للنظر الى دستورية القوانين وقرارات الحكومة لمحاسبة الرؤساء والمسؤولين.
3- سنّ قانون إستقلالية السلطة القضائية.
4- ممارسة مؤسسات الرقابة المالية والإدارية والتفتيش لتقوم بدورها الرقابي والقضائي على كافة مؤسسات الدولة الرسمية بدون إستثناء.
5- إقامة مجلس الشيوخ.
6- إنتخاب عدد معيّن من أعضاء المجلس النيابي على أساس وطني لا طائفي على لن تتوسّع النسبة تدريجياً.
7- تحقيق الإصلاح الإداري بتطهيره من الفاسدين.
8- إلغاء الطائفية الإدارية.
9- تفعيل دور المجلس الاقتصادي والاجتماعي.
10- تحقيق اللامركزية الإدارية بما يحقق الإنماء والتوازن والتعاون مع الإدارة المركزية.
وبإختصار كلي، طالما ان الطائفية هي الداء الذي يعاني منه لبنان مما يستدعي إيجاد كافة الوسائل وقبول الحلول الملائمة التي تؤدي الى مصارعة الطائفية كمرض بالطرق القانونية والسلمية حفاظاً على وحدته وتعايش كافة أبنائه بحقوق متساوية تؤدي الى رفع شأن المواطنية.