بيروت - لبنان

اخر الأخبار

19 كانون الأول 2025 12:00ص القفص هو الشكل الأكثر صدقاً لفهم الإنسان في لحظات الانكسار الكبرى

حجم الخط
ضحى عبدالرؤوف المل

يقدّم الفنان ريمون أبو حيدر Raymond Abou Haidar في معرضه في بيت الفن طرابلس رؤية فنية تقوم على تحويل المادة إلى جرح بصري، وتحويل الجرح إلى شكل، والشكل إلى صرخة موضوعة داخل فضاءٍ ضاغط يختبر حدود الإنسان في لحظات الانكسار. فالعرض لا يقوم على اللوحات وحدها، بل على تضافر اللوحة والتركيب المادي معاً لتشكيل بنية واحدة هي بنية الألم بوصفه لغة، والسجن بوصفه إطار الوجود.
اللوحة التي ترافق هذا المقال  تُعرَض كحدَث لا كصورة، كأنها بقايا معركة وقعت داخل الفنان لا خارجَه. الأسود فيها ليس خلفية بل كتلة نفسية خانقة تبتلع الضوء، والأحمر ليس حياة بل جرح مفتوح. العلاقة بين اللونين ليست توازناً، بل صراع افتراسي متبادل، يبتلع فيه الأسود الأحمر ويخدشه الأحمر في المقابل. وهذا التوتّر الحادّ ينسحب على جسد اللوحة نفسها من قماش غير مشدود، حواف متسخة، انكماشات، إشارات توحي بأن الفنان لا يتعامل مع اللوحة كمساحة محايدة، بل كجسد قابل للتعذيب، تماماً كالإنسان الذي يُعاد تشكيله تحت ضغط التجربة. هذه المادة الممزّقة تجعل اللوحة أقرب إلى أثر وجودي من كونها عملاً جمالياً.
لكن قوة العمل لا تتوقف عند اللوحة، بل تمتدّ نحو الفضاء التركيبي في قفص حديدي ضخم، كرسي أحمر مهشّم، كشافات، كاميرات، قواعد، وحجر معلّق بسلسلة. إنها عناصر تُنقل من نطاق التشكيل إلى نطاق الحياة المكانية، وكأن الفنان يحرّك المتلقي من مسرح اللوحة إلى مسرح العالم. القفص هو القطعة المركزية هنا؛ ليس مجرّد هيكل معدني بل إعلان وجودي عن حدود الحركة والصوت والحرية، عن الإنسان حين يُحاصر داخل شروط لا يملكها. والكرسي الأحمر داخل القفص هو امتدادٌ للون الأحمر في اللوحة هوأثر جسد، بقايا حياة، مقعد انهار تحت ثقل الزمن أو تحت ثقل العذاب. كأن الكائن الذي كان محاصراً في عمق اللوحة السوداء أصبح الآن سجيناً داخل سجن مادي مرئي.
وجود الحجر المعلّق يضيف طبقة رمزية جديدة. إذ ليس السجن سجن الجدران فقط، بل سجن الثقل الذي يأتي من الأعلى، من سلطة أو قدر أو ماضٍ أو نظام يعلّق وزنه على الكائن. هنا يصبح الإنسان محاصراً من جهتين، الداخل والخارج. وهذه الثنائية هي جوهر العمل من  أنطولوجيا جريحة تظهر فيها الذات بوصفها حفرة سوداء، والعالم بوصفه قفصاً لا يلين.
المشهد كله يطرح علاقة معقّدة بين التراث والمكان الصناعي الحديث. فالقاعة الحجرية القديمة تحتضن القفص الحديدي كما لو كان امتداداً لها، لا جسداً غريباً عنها. وكأن التاريخ نفسه يتحوّل إلى قفص، والتراث إلى حدود، والمكان الذي يبدو حراً يكشف عن كونه سجنًا آخر. بذلك، يتحوّل العمل إلى نقد غير مباشر لفكرة «النظام» الذي يعيش الإنسان في داخله: سياسي، اجتماعي، عائلي، أو حتى نفسي.
اللوحات القماشية تصبح انعكاساً داخلياً للقفص الخارجي. في اللوحة نرى شبح الإنسان، وفي القفص نرى جسده أو أثره. اللوحة صوت، والقفص مادة الصوت. اللوحة دم، والقفص حديد. هذا التكامل يخلق ما يمكن تسميته «ديالكتيك الغياب والكثافة» الغياب الأحمر داخل ظلمة اللوحة، والكثافة الحديدية التي تحاصر الهواء.
الأحمر في اللوحة ليس غضباً كما في التعبيرية، ولا حياة كما في الكلاسيكية، بل مساحة انتقالية بين الحياة والموت؛ لون العبور لا لون الاستقرار. أما الأسود فهو فراغ وجودي أشبه بثقب يبتلع المعنى والزمن. واللوحة الأولى، بكونها فجوة سوداء، تتحول إلى تجربة سقوط أكثر مما هي تجربة نظر.
المعرض في جوهره ليس بحثاً عن الجمال، بل عن جمالية القسوة من  قسوة المادة، الزمن، اللون، والقفص. هو فن يشتغل على المنطقة النفسية التي تقع بين الخوف والرغبة، بين الاحتواء والطرد، بين الانغلاق والانفجار. كأن اللوحة تقول للمتلقي ها أنت تحمل جرحك في الداخل، والقفص يقول وها أنت محاصر بخارجك أيضاً. فهل أعمال ريمون في هذا المعرض ليست أعمالاً تُشاهَد، بل أعمالاً تُسكن المتلقي، تُعيد طرح الأسئلة الأساسية وهي كيف نعيش ونحن مثقلون؟ كيف نحب ونحن مكسورون؟ كيف نرى وسط الظلمة؟ وكيف نخرج من سجن الذات قبل سجن العالم؟