حكايتي مع ألبرت الريحاني(*)
مساء الخير،
بدايةً أعبّر عن أسفي لعدم وجودي بينكم في مناسبة عزيزة على قلبي ولأنّها بمثابة بعض ردّ جميل لرجل كان مفتاحاً لقدري ومسار عمري، لكنّه صراخ الجسد وحمولة السنين.
وإذا كنت اليوم على ما أنا عليه فالفضل للّه عزّ وجلّ ولرجل كان مفتاح قدري هو ألبرت الريحاني رحمه لله.
وسأحكي حكايتي معه باختصار حفاظاً على أوقاتكم.
حدث ذلك أيّها السادة منذ سبعين عاماً، كنت فتىً في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من العمر مولعاً بقراءة مجلّة اسمها «دنيا الأحداث» تصدر عن دار الريحاني، وكنت أنتظرها بشوق وشغف شديدين. وأكثر ما يعجبني فيها هو قصّة العدد.
ولا أدري ما الذي دفعني بأنّني أستطيع كتابة مثل تلك التي تُنشَر. وبالفعل كتبت مجموعة من القصص ورحت أقارن بين ما كتبت وما يُنشر.
غمرني شعور بالثقة وبما سأحصل عليه من الفخر والغبطة ما إذا نشر لي من قصصي في المجلّة، ولكنّني كنت أستهيب الأمر ويراودني شعور بأن أحداً لن يهتمّ بما كتب فتىً يافع.
مرّت فترة وأنا أتقلّب ما بين القيام بزيارة مقرّ المجلّة وبين الخوف من الاستهانة. وفي آخر الأمر قررت المجازفة ويدي على قلبي.
وفي يوم ما وصلت إلى باب الدار وكان ثمة رجل يقف عند الباب، سألني عمّا أريد، فقلت له أريد أن أقابل المسؤول ولم أصرّح له بما أريد خوفاً من قطع الطريق إلى وصولي إلى من يهمّني، لكنّ الرجل قال لي: أدخل، فدخلت إلى قاعة استقبال فسيحة من بناء قديم وذهب هو إلى باب فقرعه ودخل ثم عاد إليّ وقال: تفضّل أدخل. فقمت من مكاني واتّجهت إلى الباب المفتوح ودقّات قلبي تتعالى، ودخلت.
دخلت المكتب وكان هناك رجل مهيب يجلس خلفه، نظر إليّ نظرة مشوّقة ثم قال:
- تفضّل... قالها وهو يقوم من خلف مكتبه مادّاً يده طالباً مصافحتي.
صدمت... هذا الرجل المهيب يريد مصافحتي أنا الفتى اليافع... صافحته وأشار إلى مقعد طالباً منّي الجلوس. لا أدري في تلك اللحظات كيف هرب الجزع والخوف منّي واعتراني شعور بأنّني قد كبرت سنوات.
جلست... وهو ينظر إليّ مع ابتسامة خفيفة تبعث الطمأنينة في النفس.
- أهلاً وسهلاً... قال لي. ما سبب الزيارة؟
قلت: أنا من قرّاء «دنيا الأحداث» وأكتب قصصاً أريد نشرها في المجلّة.
كنت أتوقّع نظرة إشفاق أو استخفاف، لكن بعكس ذلك كانت قَسَمات وجه الرجل جادّة مع تلك الابتسامة التي تبعث على الطمأنينة. قال:
- هل معك شيئاً مما تكتب؟
قلت:
- نعم.
وأخرجتها من جيبي. مدّ يده وأخذها منّي قائلاً:
- عدْ إليّ بعد أسبوع أكون قد قرأتها ونرى ما يمكن فعله.
وقام مودّعاً ومصافحاً.
خرجت من الدار وأنا إنسان آخر، يعتريني إحساس هو مزيج من الأمان والأمل والرهبة.
خلال الأسبوع لم يغب وجه الرجل وابتسامته عن مخيّلتي... ورحت أعدّ الأيام في ذلك الأسبوع الطويل الذي لم أعلم أنّه سيجزم مسار حياتي.
انتهى الأسبوع وقصدت الدار، فالتقيته خارجاً من المدخل لإنجاز عمل ما. وما أن رآني حتّى مدّ يده على كتفي قائلاً:
- ها قد أتيت، حسناً أدخل.
وعدنا ودخلنا الدار ويده على كتفي. وفي مكتبه جلسنا على المقعد الجلدي الطويل، هو من جهة وأنا من الجهة الأخرى. حدّق في وجهي وقال:
- لقد قرات قصصك. إنّها جيّدة وسننشر بعضاً منها، وأريد أن أقول لك إنّك موهوب ويجب أن تكمل الطريق الذي بدأته، ودعني أقول لك إنّ الموهبة وحدها لا تكفي، يجب أن تدعمها بالاطّلاع على تجارب الآخرين ولأجل ذلك أعددت لك شيئاً مهمّاً.
قام عن المقعد وفتح درجاً في مكتبه وعاد مع ورقة كتب عليها عناوين كتب وأسماء أدباء لبنانيين وعرب وأجانب، وقال:
- اقرأهم قدر ما استطعت فهذا رصيدك لبناء مستقبل جيد.
أخذت الورقة ونفّذت ما قال.
ذلك الرجل أيّها السادة هو ألبرت الريحاني الذي وضع قدمي على درب طويل استمرّ عمراً بكامله.
أنا اليوم لي تسعة مؤلّفات في الرواية والقصّة، وتُرجم الكثير من أعمالي إلى اللغات الحيّة.
والفضل في ذلك إلى ذلك الرجل بابتسامته الطيّبة وطلّته المهيبة.
وأنا اليوم بمشاركتي في هذه المناسبة أشعر بأنّني أفي دين صغيراً من دين استمر عمراً.
أشكركم على سماع حكايتي وأشكر صديقي الشاعر والمفكّر مكرم غصوب الذي تكرّم بقراءة مداخلتي ورحم لله ألبرت الريحاني.
----------
(*) ألقيت في الجامعة اليسوعية بتاريخ 13/7/2026 بمناسبة احتفال تكريم الراحل ألبرت الريحاني






