مواعيد الشعر
أصعب المواعيد، هي مواعيد الشعر. كيف يستطيع المرء أن يستنبت الشعر في ذرة رمل، في ذرة تراب، سقيا للأيام التي كان الشعر مشاعا عاما بين قلبين من الناس، بين محبوبين، كانت مجرد الرؤيا، كفيلة بأن تهدر بسيل من الأبيات، تغمر ما حولها، تعلو على الربوات وعلى القنن، تجعلها تتفتح مثل زهر اللوز أو أكثر، مثل زهر البيلسان، مثل زهر الليمون أو البنفسج.
لا يعوز الشعر إلّا هبة ريح، تداعب الخصيلات، تحرّكها شالات شالات، وتنسجها وجه غيمة، خبأت ثغرا باسما، وعينين ضاحكتين، وأنفا مثل حبة الكرز. كيف يأتي الشعر بلا موعد؟ كيف يعصى الشعر على الموعد؟ وكيف يتستّر علينا، داخل قلب يخفق؟ كيف يجعل اللسان، مثل نبعة؟ وكيف فجأة تجفّ النبعة؟ وكيف تسيل مثل جدول، تتهادى فوقه وريقة خضراء، نزلت من عليائها، لتلاقينا على موعد، لتلاقينا على الشعر؟
كل شيء حولنا من الشعر، حالما نحنو على «قبرة» الموسم...
خرجت للتو إلينا وهي تثغو... هل الشعر طوع خاطرة خطرت؟ هل الشعر، عبارة بين وجهين: من الوجه إلى الوجه، يسقط وجهي فوق وجه يكبر مثل هلال، يوما بعد يوم؟!
هل ندمت من حيني، تسقى من جفافي؟ الآن أفقت. على وجهي في صورة وجه أمامي، يناديني، تماما كما تنادي آخر القطرة، أول النهر.
تراها ما تفعل بي تلك الأيقونة، التي تحدّق بعينيها في عيني. ربما تسائليني: لماذا كثيرا تأخّرت؟ أعرف أقلّ ما تعرف. خرجت من عيني قبرة، لا يزال الزغب الأبيض عالقا بشفار عيني. لا يزال ماؤه، يسأل عن نبعه، الغائر، بعيدا، بعيدا، في عيني.
مواعيد الشعر عادة لا تتأخّر، لأنها على إيقاع قلب يهلّ له. كان يخشى، حين يرى باب القلب مغلقا، يطوي كساءه ويرحل، ثم يعود ألي مؤملا، حين أنا آمل، بقبرة تطير من قلبي إلى يدي.
شرط الشعر هو القلب، يخفق إذ يخفق، ينبض، تتوالى نبضات القلب، فتأتي تفاعيله، تأتي التفاصيل. كدت أرى قصيدة تخرج من ثغر قبرتي، من العينين، من الوجنتين، من الشعر، الذي لم تذهبه الشمس بعد.






