الدكتورة الأميرة مُنى رسلان
يجتمع الزهر وفي حضنه الطفولة، «تشهّيتُ الطفوله فيكِ.
مذ طارت عصافيرُ الربيعِ
تجرّدَ الشجرُ
وصوتك كان، يا ماكان،
يأتيني
من الآبار أحياناً
و أحياناً ينقِّطه لي المطُر
نقيا هكذا كالنارِ
كالأشجار.. كالأشعار ينهمرُ
فتُسائلني الأقدارُ كيف لا يتفجّر الحنين ولا تحتشد ينابيع اللغة في رحم الوطن؟
يقول: «ما هو الوطن؟!
ليس سؤالًا تجيب عليه وتمضي..
إنّه حياتك وقضيتك معًا!» (محمود درويش)؛ حيث «الأرض تورث كاللّغة» في المُذهّبات الفكريّة والشعريّة المُتعانقة وموسيقا روح الهويّة، وفلسطين المُبتغى.
فالشاعر العربي محمود درويش يتغلغلُ في كلّ نصٍّ من نصوصه حضوراً حيّاً، إذ تتشكّل فاعليّة مشهدياته عصفاً شعوريّاً ونضاليّاً، مُكلّلة تيجان ملوك الغار، وجوداً تفاعُلياً لتعابير النفس الإنسانيّة وقضاياها الكُبرى (الأرض؛ الأهل؛ الميثولوجيا؛ الأُمومة؛ الذاكرة؛ الحُب؛ الغضب؛ الحزن؛ الثورة؛ الصخب؛ السكينة؛ الموسيقا؛ الحركة؛ الأمل؛ الملل؛ القلق؛ الفراق؛ الفقدان؛ الضياع؛ السكون؛ وخيبة الحياة..)؛ وكالماء المُحيي يمخُرُ مسارات العيش العربي المعاصر، مُكوِّناً في ذاته آفاقاً لتثاقف عربي وأُممي.
ويختبرُ الدرويش جداريّة الزمكان:
«خفيفةٌ روحي، وجسمي مثقلٌ بالذكريات وبالمكان».
لقد شكّل الدرويش في ما شكّله من وعينا الذّاتيّ والإنسانيّ والثقافيّ، وعينا العربي على قضايا العدل والإنسان، وما زرعه في نفوسنا من
عوالم الثورة المحقة للقضية الفلسطينيّة؛ وقضايا أرضنا العربيّة، وقضايا الإنسان.
«على هذه الأرض ما يستحق الحياة..
كانت تُسمى فلسطين، صارت تُسمى فلسطين!»(درويش).
فلا مندوحة من أن يغوص محمود درويش في اللامحدود، مُتفرّداً في مهامه الأدبيّة أسطورة شعريّة ابداعيّة؛ ومن الرحاب السياسيّة فالثوريّة، إلى الرحاب الفلسفيّة فالجماليّة، والشعريّة، يتبلور تمايزه في الوعي الثقافيّ، الأدبيّ والجماليّ.
«أمّا أنا، فسأدخل في شجر التوت حيث تحوّلني دودة القزّ خيط حرير، فأدخل في إبرة امرأة من نساء الأساطير، ثمّ أطير كشالٍ مع الريح». «وها أنا وحدي ملء هذا الكون».
أمّا على مستوى السياقات الفكريّة، فيجمع محمود درويش اللامعقول بالمعيوش: صامدون هُنا.
«لو يذكرُ الزيتون غارسَهُ
لصار الزيت دمعاً!
يا حكمة الأجداد
لو من لحمنا نعطيك درعاً !
لكن سهل الريح ,
لا يعطي عبيد الريح زرعاً !
إنّا سنقلع بالرموش
الشوكَ والأحزانَ... قلعاً !
وإلام نحمل عارنا وصليبنا!
والكونُ يسعى...
سنظل في الزيتون خُضرتَه’
وحولَ الأرضِ درعاً!!
حيث تنشقّ الثورة من باطن الحَجر، وإن غارت الدموع، فالغصّة لا تستكين والهِمم لا تغور، بل تتّحد تُراباً و ثريا.
«وأنت تنام وتحصي الكواكب..
فكّر بغيرك، ثمّة من لم يجد حيزًا للمنام! «(درويش).
ممّا لا شكّ فيه أنّ في قصديّة درويش الشعريّة، يستلقي الديجور بفيئها تصاويرَ للنَغم،
«وأَنتَ تحرِّرُ نفسك بالاستعارات، فكِّرْ بغيركَ
مَنْ فَقَدُوا حَقَّهم في الكلامْ
وأَنتَ تفكِّر بالآخرين البعيدين، فكِّرْ بنفسك
قُلْ: ليتني شمعةٌ في الظلامْ» (درويش).
كما في قصديّة درويش الشعريّة، يشدو ريحان قبر السيّد المسيح (ع)، فيضاً سماوياً باسراء ومعراج رسول لله محمّد (صلعم)، بكُلًي المحبة.
محمود درويش، لطالما أستقرأتُ في قصيدك فَرح اللقاء وغصّة الوحدة، «وحدي أراود نفسي الثكلى!»؛
كما استقرأتُ في أسفارك القلق الوجودي واللا مُستقرّ، إذ يتمخّص احتضان جدائل النخلة لوعينا العروبي وجداً للشغف، والرؤى تنبثقُ في لغتُكَ الشعريّة نصّاً يتوالد ومن ثمّ يتوالد.. إلى اللا قرار؛ من جداول معشوشبة بتعارض خفي كالأمل والفراق؛ وقرطاج تُعيد أسطورة اللحظ، وخمائل أليسار معتّقة كالميرون، وكأنّما تُعيد بجزالتك اللفظيّة وطراوتك اللحنيّة نسجَ الغياب خالداً، فتُرتقي قلوبنا بيوتاً للعصافير.
فهذه الكيانيّة مشغولة «بحب من يحبني!».
«سأصير يوماً طائراً، وأَسُلُّ من عَدَمي وجودي».
ها أنت الدرويش، فِعلُ فراشة لا تزول، تتبخترُ
«فرِحاً بشيء ما خفي»، «ﻭﻟﻨﺎ ﺃﺣﻼﻣﻨﺎ ﺍﻟﺼﻐﺮﻯ ﻛﺄﻥ ﻧﺼﺤﻮ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﻮﻡ ﻣﻌﺎﻓﻴﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﻴﺒﺔ، ﻟﻢ ﻧﺤﻠﻢ ﺑﺄﺷﻴﺎﺀ ﻋﺼﻴﺔ، ﻧﺤﻦ ﺃﺣﻴﺎﺀ ﻭﺑﺎﻗﻮﻥ ﻭﻟﻠﺤﻠﻢ ﺑﻘﻴﺔ!».
محمود درويش يعلو مرايا الإبحار، ينتفضُ على انكسار الضوء، من فلسطين إلى بيروت، يقول:
« قُلنا لبيروت القصيدةَ كُلَّها , قلنا لمنتصفِ النهارِ:
بيروت قصَّتُنا
بيروت غصَّتنا
وبيروت اختبارُ للهِ. جرَّبناكَ جرَّبناكَ
من أَعطاك هذا اللُّغز؟ من سَمَّاكَ؟
من أَعلاك فوق جراحنا ليراكَ؟
*
بيروت قلعتنا
بيروت دمعتُنا
ومفتاحٌ لهذا البحر. كُنَّا نقطة التكوينِ ,
كنا وردةَ السور الطويل وما تبقَّى من جدارِ».
محمود درويش ينتفضُ على انكسار الضوء..
«سأصير يوماً طائراً».. سأصير.
* أُسْتَاذةُ النَّقْد الأَدَبِيّ المعاصر وأدب ما بعد الحداثة، والأدب المُقارن، ومنهجيّة البحثِ فِي كليَّة الآدابِ والعُلومِ الإنسانيَّة في الجامعة اللبنانيَّة _ الفرع الأوّل