أخذ شهريار مجلسه، وقد تحلّقت حوله الجواري والقيان، واصطف على الجانبين ما اصطف من الغلمان، وحشد على الطاولة أمامه ما لذ من الطعام والشراب من الأصناف والألوان. كان الحرّ شديداً، فأمر بفتح النوافذ، بمزيد من تحريك المراوح، وأخذ يرنو ببصره فيما حوله، وشعر بالانقباض مستولياً على قلبه، فينادي على شهرزاد علّها بقصصها وحكاياها تذهب عن نفسه الغمّ فتنتشي روحه. فأهلّت عليه، وانحنت بين يديه، وجلست أمامه وكأنها خادم من خدامه ولتقول:
بلغني أيها الملك السعيد ذو الرأي الرشيد أن ربيعاً عربياً يجتاح المكان، شاملاً كل الأوطان، وحتى الأهل والجيران.
ويعتدل شهريار في جلسته متسائلاً: ولكن نحن في فصل صيف حرّه وكأنه نفثة من نفثات جهنم، تحرق الأبدان، فمن أين ذاك الربيع الذي يعتدل معه الطقس، وتهدأ الأنفاس؟!
وتتابع شهرزاد حكايتها دون تعقيب على ما دار على لسان ملك الزمان، فتروي قصة هذا الربيع وتقول:
وهكذا أتى على العرب زمن انتقضوا فيه على ظلم الرؤساء والحكّام، لأنهم كانوا غارقين في ملذاتهم، وقد انتزعت الرغبة في السلطة الرحمة من قلوبهم، والحكمة من عقولهم، وصمّت أذانهم وأعمت عيونهم، فلم يأبه ذاك الحاكم في تونس لشاب أحرق نفسه حيث سدّت سبل الحياة في وجهه كما الألوف المؤلفة من أقرانه، وفي مصر قد تحوّلت بفعل رئيسها إلى معقل من معاقل إسرائيل، وفي اليمن حيث اجتاحه التغيير، وفي البحرين حيث المذهبية، وفي سورية حيث الجمهورية التي انحصرت في وراثة شرعية، ناهيك عن الظلم والفساد والكساد والتقهقر والانحلال في المؤسسات الذي شمل جميع أركان الدولة في تلك البلدان، ودون أن يعني ذلك الغفلة عن الثروات التي كدّسها رموز تلك الدول ورؤسائها وسلاطنتها وملوكها وحكّامها ومن لاذ بحماهم واستنار بهداهم، فكانت شعاراتهم ومبادئهم المثل الأعلى والمنهج الأسمى الذي على ضوئه تتبعه خطاهم.
وينتفض شهريار قائلاً: وكيف بدأ ذاك؟
وتقول شهرزاد: بلغني أيها الملك السعيد أن الضيم حرّك النفوس فاستثارها; فخرجت ألوف وألوف في مظاهرات وكأن بركان الثورات تفجّر، فخرجت حممه هتافات، وهتاف يعلو ويعلو ليصمّ الآذان:
«الشعب يريد إسقاط النظام».
ويعلو صوت شهريار وقد تحرك متوتراً في جلسته: وماذا بعد؟
وتتابع شهرزاد:
وتستجيب السلطة مكرهة عند احتدام العراك، ويتنحّى حاكم تونس ومصر واليمن.. وأما في العراق والشام فإن الأمر يبدو ضبابياً فقد غمرت هذان الموطنان الدماء، واجتاحهما الدمار والخراب.. وما زال الأمر منعقداً على بارقة تأتي مع سحابات أمل تسوقها أهواء تهبُّ تارة شرقية وتارة غربية.. ويصرخ شهريار: والنتيجة يا شهرزاد؟!
وتقول شهرزاد: بلغني أيها الملك السعيد أنه وبفعل إيقاعات غريبة شرقية نووية مدمرة يهتز محور الأرض فيتحرف إيقاع دورانها، وتبقى تلك المساحة التي تشمل أصقاع العرب بعيدة نائية عن الشمس حيناً فيلفّها صقيع قارص، وتارة أخرى مواجهة للشمس مواجهة تامة، فيجتاحها لهيب قائظ....
«والربيع أين ربيع العرب وحتى أين خريفهم؟!» يقول شهريار هذا وقد هبّ من مجلسه، مزمجراً: «وماذا يعنيني من هذا، أحمد لله أني لست في ذاك الزمان»... ويقف مشدوهاً متلفتاً حوله وهو يهذي وقد تناهت إلى أسماعه هتافات: «الشعب يريد إسقاط النظام»، فيقول: أغلقوا الحدود، عطّلوا الوقود واعتقلوا شهرزاد، وكمّوا فاها وأفواه غيرها، وأحرقوا كل حكاياتهم وحكاياتها..
ضحى الخطيب