ليس هذا الحوار مجرد تبادلٍ تقليدي للأسئلة والأجوبة، بل هو اقتراب حذر من منطقةٍ ملتبسة تتقاطع فيها التقنية مع الوعي، والخيال مع ما تبقّى من إنسانيتنا في زمنٍ يتسارع فيه كل ما هو رقمي، وفي حواري هذا لا أسأل الفنان بيتر ماشيك الذي استخدم مولدات الفن المعتمدة على الذكاء الاصطناعي والأدوات الرقمية لرسم أعمال فنية تجريدية وتعبيرية وسريالية عن أدواته بقدر ما سألته عن موقعه داخل هذه الأدوات بمعنى هل لا يزال صانع الصورة، أم أصبح شريكاً في حوار خفي مع ذاكرة رقمية هائلة تتشكّل وتعيد تشكيله في آنٍ واحد؟ كما يكشف هذا اللقاء، أن الذكاء الاصطناعي، لم يعد مجرد وسيط تقني، بل تحوّل إلى كيان جمالي يفرض منطقه الخاص، ويُعيد تعريف مفاهيم مثل الإبداع، والحدس، وحتى الخطأ الذي كان يوماً جزءاً من سحر العمل الفني ولا تكمن فقط في تناوله لفن الذكاء الاصطناعي، بل في قدرته على فتح أسئلة أعمق حول علاقة الإنسان بما يصنعه، وما يصنعه فيه. في زمن الحروب والاضطرابات، لا يبدو الفن ملاذًا بقدر ما هو محاولة لإعادة النظر، لإعادة التفسير، وربما لإعادة تعريف موقعنا داخل هذا العالم المتشظي. ومع الفنان السلوفيني بيتر ماشيك Peter Maček أجريت هذا الحوار:
{ التكرار الواضح للعيون والتشوّهات: هل هو خيار جمالي مقصود أم نتيجة انجذاب النموذج إلى أنماط معينة؟
- هذا السؤال أساسي لفهم العلاقة بين إبداع مستخدم الذكاء الاصطناعي من جهة، والنماذج نفسها - أي الكمّ الهائل من الصور المتنوعة التي دُرّب عليها تطبيق معيّن لإنتاج الفن بالذكاء الاصطناعي - من جهة أخرى. إن أدوات الفن بالذكاء الاصطناعي اليوم تتيح للمبدع أن يحقق رؤيته إلى حدّ كبير - من حيث الموضوع المختار وخصائصه الجمالية - من خلال ما يمكن وصفه أحياناً بـ«تعاون وإقناع متبادل» قد يكون معقّداً بين المستخدم والذكاء الاصطناعي.
شخصياً، أحاول استخدام التعليمات (النصوص التوجيهية، وصوري التناظرية والرقمية الخاصة) وتعديلاتها للوصول إلى نتيجة تقترب قدر الإمكان من فكرتي الأصلية. غالباً ما ينجح ذلك، وأحياناً يقدّم الذكاء الاصطناعي حلولًا أكثر إرضاءً مما تخيّلت. أسعى إلى مواءمة الجماليات مع الموضوع؛ وأحياناً يكون ذلك أكثر جاذبية للجمهور، وأحياناً أقل.
{ هل تعتقد أن الذكاء الاصطناعي يساعدك على «تجميد لحظة درامية» لم تكن تستطيع رسمها يدوياً؟
- في كلتا طريقتي الإبداع - التناظرية وبمساعدة الذكاء الاصطناعي - يمكن الوصول إلى «لحظة درامية مجمّدة». لكن تختلف الآلية، ولا سيما ديناميكيات إنتاج الصور بمساعدة الذكاء الاصطناعي، عن الرسم التقليدي. فالذكاء الاصطناعي المُوجَّه بالتعليمات يمكنه إنتاج صورة خلال ثوانٍ، في حين قد يستغرق الرسم اليدوي أسابيع أو أشهراً، وربما أكثر.
هذا الفرق يتيح إمكانية إنتاج عدد كبير من النسخ المختلفة عبر تغيير التعليمات، حتى أثناء عملية الإبداع نفسها، ثم اختيار عدد من النتائج المفضلة. أما في العمل التقليدي، فيقوم الفنان بمراجعة العمل باستمرار وتعديله وفق حدسه للوصول إلى صورة نهائية واحدة. ومن باب الطرفة، يُقال إن ليوناردو دا فينشي استغرق نحو 14 عاماً في رسم وتنقيح تحفته «الموناليزا».
{ هل الفن هنا شهادة على عصرنا... أم انعكاس مشوّه له؟
- من الناحية التاريخية، تعكس كل مرحلة فنية الثقافة السائدة فيها أو الثقافات الفرعية، إضافة إلى تقنيات الإنتاج الفني، وكذلك «ذائقة» النقّاد والرعاة ومتلقي الفن. وينطبق الأمر ذاته على عصرنا. فالفن هو تأويل فريد للعالم الواقعي والمجتمع، يعتمد على الفنان والمتلقي معًا، وكلاهما خاضع لتأثيرات ثقافية زمنية. تحدث القفزات النوعية عندما يتحرر الأفراد من ضغط النظام الثقافي ويعيدون تفسير الظواهر بطرق جديدة، عبر اختيار موضوعات أو جماليات أو تقنيات فنية مختلفة. ومع ذلك، أميل إلى الرأي القائل إن كل فن هو انعكاس لـ«تشويه» - أو ربما الأدق، «تأويل» - لمظهر مرحلة معينة. وهذا «التشويه» ليس إلّا جزءاً من كلّ ثلاثي.
فبحسب الفيلسوف كارل بوبر، يتكوّن هذا الكل من: العالم الواقعي المستقل عن الفرد والذي لا يمكن إدراكه بالكامل؛ ثم الإدراك الذاتي الإنساني (العقل، الأفكار... إلخ)؛ وأخيراً العالم الثالث الناتج عنه، أي عالم المعرفة المتجسدة والمحافظة عليها.
{ في ظل الحروب والاضطرابات، هل ترى أن استخدام الذكاء الاصطناعي في الفن هو هروب من الواقع أم وسيلة جديدة لمواجهته؟
- ربما يكون هروباً لدى حالات نادرة، لكنني ألاحظ أن الإنتاج الفني بمساعدة الذكاء الاصطناعي يحمل أيضاً بُعداً اجتماعياً؛ وبالتالي، وكما هو حال الفن دائماً، فإنه يتفاعل مع الأحداث الراهنة في عصرنا الرقمي الحديث. بالنسبة لي شخصياً، يمثل استخدام الذكاء الاصطناعي في الفن إعادة تفسير للواقع الحالي، بما في ذلك الاضطرابات الاجتماعية والحروب. كما أن مبادرة الفنانين «لا للحرب»، التي انضم إليها أيضاً مستخدمو الذكاء الاصطناعي، تدل على ذلك. صحيح أن الفن لا يستطيع منع الأزمات الاجتماعية بشكل مباشر، لكنه يمكن أن يساهم بدوره المتواضع في ترسيخ ثقافة عامة للسلام.
{ هل أنت من أنشأ هذه الصور... أم أنها كشفت لك شيئاً عن نفسك لم تكن تعرفه؟
- إذا جاز لي أن أجيب وفق مبدأ جدلي مُعاد صياغته: أنا أخلق الصورة، والصورة تخلقني. إن عملية إنتاج الصور بمساعدة الذكاء الاصطناعي هي في حقيقتها حوار مستمر بين المبدع - بما يحمله من تعليم ومعرفة ومشاعر - وبين جزء من «العالم الثالث»، أي «المعرفة المتجسّدة والمحافظة عليها» (بما في ذلك تلك المتراكمة داخل نماذج الذكاء الاصطناعي) التي أشرت إليها سابقاً. وبالنظر إلى سنّي، لم أكتشف أشياء جديدة مدهشة عن نفسي، لكنني تعلّمت الكثير من الأمور الجديدة.