كانت شوارع المدينة في ذلك الصباح تبدو عادية، مزدحمة كعادتها، لا توحي بأن كارثة جديدة ستُضاف إلى سلسلة المآسي التي باتت تُثقل صدور الناس. لكن عند الظهيرة، دوّى الخبر: الطفل هادي لم يعد بيننا، دهسته سيارة مسرعة، يقودها شاب قد لا يتجاوز العشرين، حوّلت لحظات رياضته إلى صمت أبدي.
لم تكن هذه الحادثة الأولى، ولن تكون الأخيرة. كل يوم تقريبًا، اسم جديد، قصة جديدة، شاب في ريعان العمر أو طفل في بداية الحلم، يختفي تحت عجلات التهور، في طرقات فقدت ملامح الأمان منذ زمن. كأن الطرقات نفسها صارت فمًا كبيرًا يبتلع أحلام الناس بلا شفقة.
والناس تسأل: من المسؤول؟ ولكن الحقيقة واضحة فالتهور لا يحدث من فراغ، عندما يعرف الشاب أنه يستطيع القيادة بسرعة جنونية دون أن يُوقفه أحد، ودون أن تُسحب رخصته، ودون غرامة تُذكر، يصبح الطريق ساحة استعراض لا مسؤولية فيها. وحين تصبح حياة الناس بلا قيمة في دفاتر الدولة، يصبح الموت نتيجة طبيعية.
المدينة اليوم تبكي هادي، لكنها تبكي أيضًا كل الذين رحلوا قبله، وتخاف على الذين قد يرحلون بعده. فالمأساة ليست حادثًا فرديًا، بل ظاهرة تتغذّى من غياب القانون، ومن دولة تتذكّر الطرق في موسم الوعود فقط، وتنسى أن الأرواح هي رأس مالها الحقيقي.
ربما يكون رحيل هادي جرس إنذار أخير:أن الوقت حان لتفعيل المخالفات بجدّية، لردع السائقين المتهوّرين، لوضع كاميرات ورادارات فعّالة، لتطبيق العقوبات بلا استثناء، ولتعليم الشباب أن القيادة مسؤولية لا لعبة.
فالردع ليس قسوة… القسوة هي أن نترك أطفالنا يموتون على قارعة الطريق. وحتى ذلك الحين، سيبقى الناس يكتبون أسماء ضحاياهم على الإسفلت، كأنهم يقولون للدولة:
أوقفوا هذا الموت… قبل أن يبتلع كل ما تبقّى من مستقبلنا.