المهندس هشام جارودي(*)
غاب عن لبنان، وعن بيروت التي أحبّها وأحبّته، واحدٌ من كبار رجالات الرياضة والتربية والإعلام الرياضي، البطل والمربّي الأستاذ مليح عليوان "أبو زياد”، الذي شكّل على مدى عقود طويلة رمزًا من رموز الرياضة اللبنانية والعربية، وصورةً مشرقةً لجيلٍ آمن بأن الرياضة أخلاق ورسالة وانتماء قبل أن تكون بطولات وميداليات.
برحيل مليح عليوان، لا تفقد الرياضة اللبنانية بطلاً فحسب، بل تفقد مدرسةً متكاملةً في العطاء والالتزام والرجولة والريادة. فقد كان من أوائل المؤسسين لرياضة رفع الأثقال وكمال الأجسام في لبنان والعالم العربي، ومن أوائل الذين عملوا على ترسيخ الثقافة الرياضية الصحيحة في المجتمع اللبناني منذ مطلع الخمسينيات، عبر ناديه الشهير "نادي مليح الرياضي” في الزيدانية، وعبر مجلته الرائدة "نجوم الرياضة”، التي كانت منبرًا لتوثيق إنجازات الرياضيين اللبنانيين والعرب.
كان الراحل الكبير ظاهرةً رياضية نادرة بكل ما للكلمة من معنى. عرفناه صاحب جسمٍ متكامل، وإرادة صلبة، وشخصية قيادية محبوبة، لكنه في الوقت نفسه كان إنسانًا متواضعًا، خلوقًا، يحمل في قلبه محبة الناس وروح التربية الصادقة.
عندما نستعيد اليوم ذكريات بيروت الرياضية الجميلة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، يحضر اسم مليح عليوان كأحد أبرز رموز تلك المرحلة الذهبية، مرحلة كان فيها الرياضي اللبناني يحمل راية وطنه بعزيمة وشرف في المحافل العربية والعالمية. فقد رفع اسم لبنان عاليًا في بطولات عديدة، ونال ألقابًا وأوسمة تقدير، وكان من أبرز إنجازاته إحرازه لقب "أبولون الشرق” عام ١٩٥٢، إضافة إلى مشاركاته العالمية التي كرّسته أحد أهم أبطال كمال الأجسام في المنطقة.
لكن عظمة مليح عليوان لم تتوقف عند إنجازاته الشخصية، بل تجلّت أكثر في الأجيال التي صنعها وربّاها. فقد تخرّج على يديه أبطال كبار حملوا اسم لبنان إلى العالمية، أمثال محمد خير طرابلسي، سمير بنوت، أحمد حيدر، محمد المولى، نظير الكعكي، خالد بيرقدار وغيرهم الكثير. كان يؤمن بأن البطولة الحقيقية ليست في الفوز الفردي فقط، بل في صناعة أبطال يواصلون المسيرة ويحملون الرسالة.
ولعلّ من أبرز المواقف الوطنية والرياضية التي تُذكر له، دوره في أولمبياد ميونيخ عام ١٩٧٢، عندما أصرّ على بقاء البعثة اللبنانية والمشاركة رغم الظروف الصعبة، فكان إصراره أحد الأسباب التي قادت البطل الراحل محمد خير طرابلسي إلى إحراز الميدالية الفضية التاريخية للبنان.
لقد عاش مليح عليوان حياته وفيًّا للرياضة وللوطن وللناس. وحتى في أصعب المراحل التي واجهته، بقي حاضرًا في وجدان محبيه وتلامذته وأصدقائه، رمزًا للعطاء النظيف والالتزام الأخلاقي والروح الرياضية الحقيقية.
إننا اليوم، ونحن نودّعه بحزنٍ كبير، نستذكر مسيرة رجلٍ لم يبنِ ناديًا رياضيًا فقط، بل بنى أجيالًا كاملة، وأسّس لثقافة رياضية وتربوية ووطنية ستبقى حيّة في ذاكرة لبنان.
(*) رئيس النادي الرياضي سابقًا