أمتسيا برعام
إن مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران تمنح، لأول مرة، اعترافاً دولياً بالربط بين الساحتين الخليجية واللبنانية. والأخطر من ذلك، أنها تعترف بأن لإيران، من الآن فصاعداً، حق النقض (الفيتو) في لبنان. وهذا التطور خطِر جداً بالنسبة إلى ثلاث دول: إسرائيل وسورية ولبنان. في الوقت الحالي، يرى النظام الجديد في طهران، الذي أوصلناه نحن إلى السلطة، في ذلك إنجازاً هائلاً؛ فبعد أن قضينا على القيادة السياسية الإيرانية القديمة، شهد الفهم الإيراني لكيفية الحفاظ على النظام تحولاً جذرياً. وتعلن إيران أنها مستعدة للمخاطرة باستئناف القتال من أجل حزب لله.
إنها مخاطرة ضخمة وغير مسبوقة، من وجهة نظرهم، لكنهم ينظرون إليها بطريقة مختلفة: فهم يعتقدون أن ترامب لن يخاطر باستئناف الحرب، وأنه سيفضل إجبار إسرائيل على الانسحاب من لبنان ومنعها من الرد على نيران حزب لله. وحتى لو عاد إلى الحرب مرةً أُخرى، فإن الإيرانيين يعتقدون أنهم سيهزمونه مجدداً؛ لذلك، فإن الخطر محدود، في نظرهم، ويمكن إنقاذ حزب لله.
هذا النهج معاكس تماماً لذاك الذي كان سائداً لدى الخميني والخامنئي. وعلى هذه الخلفية، يبرز السؤال: ماذا حدث لصنّاع القرار في طهران بين الحرب العراقية الإيرانية (1980–1988) وحرب الأربعين يوماً في سنة 2026؟
في سنة 1987، دخلت الولايات المتحدة إلى جانب العراق، في مواجهات بحرية ضد البحرية الإيرانية لحماية السفن في الخليج الفارسي. وبعد اشتباكات عديدة، أمر الخميني قواته البحرية بالتوقف عن أي هجوم على الملاحة الدولية. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة كانت «الشيطان الأكبر»، في نظره، فإنه حظر أي مواجهة معها. فانتهت الحرب بانتصار عراقي؛ وعلى الرغم من أن العراق خرج منها مثقلاً بالجراح، فإن إيران فقدت ما يقارب مليون جندي، وانهار اقتصادها. وتخلّى الخميني عن حلم تحرير مدينتَي كربلاء والنجف المقدستين، ووافق على وقف إطلاق النار. وقال إن ذلك، بالنسبة إليه، كان بمثابة «تجرُّع كأس السم». وفعلاً، توفي بعد نحو عام من شدة الحزن.
لقد ترك الثمن الباهظ للحرب ضد العراق القيادة الإيرانية، برئاسة علي الخامنئي، مع عقلية «خمينية» جديدة تقوم على مبدأين: أولاً، أن إنقاذ الثورة يتطلب أحياناً التراجع والتنازل؛ ثانياً، ضرورة الاستثمار أكثر في «محور المقاومة»، ليكون طوق حماية لإيران، فضلاً عن كونه رأس الحربة ضد إسرائيل. وبصفته قائد «فيلق القدس» المسؤول عن حزب لله و»المحور»، عيّن الضابط الشاب الكاريزمي أحمد وحيدي، الذي يشغل اليوم منصب قائد الحرس الثوري، ثم خلَفه القائد العسكري البارز قاسم سليماني. وبالنسبة إليهما، كان بناء «المحور» مشروع العمر، لكن في رؤية المرشد الأعلى، كان «المحور» مخصصاً للدفاع عن إيران إذا تعرضت للهجوم، وحتى التضحية بنفسه من أجلها إذا لزم الأمر، وليس العكس.
لم يكن من المفترض أن يجرّ القضاء على إسرائيل إيران إلى مواجهة مباشرة. ولم تكن الخطة حرباً كبرى فاصلة، بل حروب استنزاف يخوضها «المحور» وحده. وهكذا يُفرغ الجليل من سكانه، ثم حيفا، ولا يبقى في إسرائيل سوى البائسين الذين لا يستطيعون الفرار. ولم يكن من المفترض أن تموت إسرائيل بانفجار مدوٍّ، بل بأنين بطيء. وكان هذا كله سيحدث بتمويل ومساعدة إيرانيَّين، لكن من دون تورُّط مباشر، أو مخاطرة، من جانب إيران نفسها.
ولهذا السبب، لم تتدخل إيران مباشرةً بعد السابع من أكتوبر، ولحسن حظنا الكبير، أوعزت أيضاً إلى حزب لله بعدم شن هجوم شامل والاكتفاء بحرب استنزاف. وإذا حكمنا على الخامنئي وسياساته حتى يوم وفاته، فإنه لم يكن ليخاطر بحرب مع الولايات المتحدة، أو بإغلاق المضائق، أو بمهاجمة دول الخليج.
لكن هذا كله انقلب رأساً على عقب عندما قتلت إسرائيل المرشد الأعلى وكبار معاونيه. فالسلطة الجديدة عسكرية، وأكثر شباباً وتهوراً، وأكثر تطرفاً وغروراً، وأشد ارتباطاً بـ»المحور»؛ لذلك، خاطر الإيرانيون أكثر كثيراً، وتمكنوا هم بالذات من إخضاع ترامب. فإذا كان مجلس الحرب وقيادة الجيش الإسرائيلي والموساد يعلمون مَن كان ينتظر خلف الكواليس في طهران، ومع ذلك، قضوا على النخبة القديمة، من دون التأكد من حدوث تغيير كامل في النظام؛ فيبرز السؤال: ماذا جرى لنا؟ وإذا لم يكونوا يعلمون، فماذا جرى لنا أيضاً؟
إن الإنجازات العملياتية للجيش الإسرائيلي في الحرب مذهلة، لكن لا يمكن الشروع في حرب من دون تحليل استخباراتي وسياسي عميق للعدو والحلفاء على حد سواء.
المصدر:معاريف
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية