عينات هوكبرغ - مروم
يُعتبر احتلال قلعة الشقيف - القلعة الصليبية المطلة على الجنوب اللبناني، وأحد أكثر المواقع الاستراتيجية حساسيةً في المنطقة - حدثاً مشحوناً بالرمزية والدلالات، ولا سيما أنه يأتي بعد مرور 26 عاماً على انسحاب الجيش الإسرائيلي من الشريط الأمني.
فالأمر لا يتعلق بمجرد إنجاز تكتيكي إضافي ضمن عملية واسعة تهدف إلى استهداف بنية حزب الله التحتية ووسائله القتالية في منطقة الليطاني، وإبعاد التهديد المباشر مجدداً عن بلدات إصبع الجليل ومدينة المطلة؛ فقلعة الشقيف تحمل في طياتها جراحاً عميقة وإرثاً ثقيلاً، وترسّخت في الوعي الوطني الإسرائيلي المعركة الصعبة للسيطرة عليها في 6 حزيران/يونيو 1982، والتي قُتل فيها ستة من مقاتلي وحدة الاستطلاع التابعة للواء غولاني، باعتبارها رمزاً مؤلماً للغرق الإسرائيلي في المستنقع اللبناني طوال 18 عاماً.
وبسبب هذا الثقل التاريخي تحديداً، من الضروري التذكير بأن السيطرة على الأرض، في ظل الواقع الاستراتيجي الحالي، لا توفر رداً كاملاً على مجمل التهديدات، ومن المؤكد أنها لا تعيد ترميم قدرة الردع الإسرائيلية التي تآكلت خلال الأعوام الأخيرة، وحسبما أكد رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق تامير هايمان، فإن السيطرة على معاقل حزب الله لن تلغي تهديد الطائرات المسيّرة والطائرات الانتحارية من دون طيار، ولا خطر القصف الذي يصل إلى عمق بلدات الشمال.
أمّا حزب الله، الذي تحوّل من تنظيم حرب عصابات إلى قوة هجينة منظّمة ومموَّلة بشكل جيد من إيران، فيُظهر جرأةً كبيرة، وذلك جزئياً في ظل القيود التي تفرضها الإدارة الأميركية على حرية العمل الإسرائيلية في لبنان؛ كما أن منظومة الصواريخ البعيدة المدى والطائرات المسيّرة الفتاكة اللتين تزوّده بهما إيران تولّدان تهديداً استراتيجياً يتجاوز كثيراً خط الحدود وطبيعة التضاريس. وفي ظل هذه الظروف، فإن الإنجاز التكتيكي الذي لا تدعمه تسوية سياسية مع الحكومة اللبنانية، ولا آلية رقابة دولية مستقرة وفعالة، ربما يتحول من انتصار موضعي إلى مأزق استراتيجي. إدارة المخاطر على جبهات متعددة
ليس من قبيل الصدفة أن يصرّح جوزاف عون بأن حزب الله وافق على مقترح أميركي يقضي بعدم إطلاق النار على إسرائيل، في مقابل امتناعها من تنفيذ غارات على ضاحية بيروت الجنوبية. ويعكس هذا التصريح عُمق الأزمة التي تعيشها بيروت وحدود قوة الحزب، وفي الوقت نفسه، يعكس أيضاً التعقيد الاستراتيجي الذي تعمل إسرائيل ضمنه.
إن التصعيد في الشمال والضربات التي ينفّذها الجيش الإسرائيلي، رداً على ازدياد إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة في اتجاه الجليل، وعلى قواته المنتشرة في الجنوب اللبناني، يُبرزان التحدي الأساسي: فإسرائيل مطالَبة بإدارة مواجهة استراتيجية متعددة الجبهات والأبعاد ضد إيران وشبكة حلفائها ووكلائها المنتشرين في أنحاء الشرق الأوسط. وفي موازاة المواجهة مع حزب الله، يتعين على إسرائيل الاستعداد لاحتمال انهيار وقف إطلاق النار والمباحثات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران، وربما يؤدي هذا السيناريو إلى استئناف الهجمات على المنشآت النووية الإيرانية، وفي المقابل، يمكن أن يسرّع تطوير البرنامج النووي الإيراني.
وفي مثل هذا الوضع، سيُطلب من الجيش الإسرائيلي تنفيذ عملية مشتركة تجمع بين القوات الجوية والبحرية والبرية، بحيث لا يقتصر هدفها على إضعاف حزب الله فحسب، بل أيضاً يتعدى ذلك إلى خلق ظروف تدفع الحكومة اللبنانية إلى نزع سلاح الحزب واستعادة احتكار الدولة لوسائل القوة والأجهزة الأمنية والعسكرية.
كلما ازداد التصعيد بين إسرائيل وحزب الله، كلما تراجعت فرص نجاح جهود الوساطة التي جرت هذا الأسبوع في واشنطن، في حين تتفاقم الآثار المدمِّرة للأزمة في لبنان بصورة كبيرة.
ومن منظور أوسع، فإن حجم الدمار المتراكم في لبنان، الذي انكمش اقتصاده بنحو 34% في الفترة 2019-2024، لم يعُد مجرد أزمة اقتصادية محلية، بل أصبح انهياراً شاملاً لمؤسسات الدولة، فرضه حزب الله على الدولة اللبنانية الهشة، خدمةً للمصالح الإيرانية.
فإلى جانب الأضرار الاقتصادية الضخمة المقدّرة بنحو 14 مليار دولار، والدمار الذي طال المباني والجسور والبنى التحتية الحيوية، بما فيها شبكات الكهرباء والصحة والمياه، يرزح لبنان تحت عبء إنساني غير مسبوق، حيث اضطر أكثر من مليون نازح - أي ما يقارب خُمس السكان - إلى مغادرة جنوب البلد ومنطقة البقاع، بينما يعيش نحو 75% من السكان تحت خط الفقر، ويعانون جرّاء انعدامٍ حاد في الأمن الغذائي، فضلاً عن التضخم المرتفع والانهيار الحاد للعملة المحلية التي فقدت نحو 98% من قيمتها. وفي ظل اعتماد لبنان شبه الكامل على المساعدات الخارجية والدعم من الاتحاد الأوروبي والمنظمات الإنسانية الدولية، يقف البلد عند نقطة اللاعودة نحو انهيار اقتصادي وإنساني شامل.
بالنسبة إلى إسرائيل، يخلق هذا الوضع المحرج مزيجاً نادراً من الخطر الاستراتيجي والفرصة التاريخية: يكمن الخطر في أن تمتد الفوضى اللبنانية إلى أزمة أُخرى، وتزيد تهديد ونفوذ حزب الله وميليشيات أُخرى موالية لإيران، التي ستشغل الفراغ. والفرصة تكمن في استغلال الضغوط الداخلية والدولية التي تزداد على الحزب لفرض مسار سياسي جديد يعزز الردع الإسرائيلي ويعيد تشكيل معادلة الأمن على الحدود الشمالية في مرحلة «اليوم التالي».
إن الجمع الخطِر بين المواجهة مع حزب الله والتوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران يحوّل لبنان إلى «بؤرة توتُّر استراتيجية»، حيث تتقاطع ثلاثة عوامل رئيسية: 1- الوضع العسكري لإسرائيل. 2- بقاء حزب الله واستمراره. 3- المفاوضات بين واشنطن وطهران.
بالنسبة إلى إسرائيل، معنى ذلك هو الوقوع في مأزق مزدوج وتضييق مستمر لهامش المناورة؛ ففي حين تُجبَر على تنسيق أي تحرّك عسكري مع واشنطن - التي تنظر إلى حزب الله أولاً، باعتباره أداة إيرانية يمكن أن تقوّض توازُن القوى في الخليج الفارسي وتهدد حرية الملاحة في مضيق هرمز - ترى إسرائيل أن الحزب يشكل تهديداً مباشراً وفورياً ووجودياً لأمنها. وهذا التباين في المصالح يُضعف الثقة بين الطرفين، ويزيد في حالة عدم اليقين، ويعمّق الخلافات بينهما، كما أنه يؤدي إلى التأخير والمبالغة في الحذر، ويفرض ضغوطاً أميركية للحدّ من استخدام القوة، في اللحظات نفسها التي تفكر إسرائيل في تنفيذ عمليات هجومية واسعة تهدف إلى تغيير المعادلة العسكرية على الجبهة الشمالية.
بالنسبة إلى إسرائيل، تمثل الساحة اللبنانية مجالاً استراتيجياً يمكن أن يحسّن دفاعاتها في المدى القصير في مواجهة تهديد حزب الله، لكن أي خطوة من هذا النوع تزيد الاحتكاك بواشنطن، وتعقّد أي محاولة للتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار مع إيران، وترفع خطر الانزلاق إلى انتشار عسكري طويل الأمد. هذا السيناريو يعيد إلى الأذهان تجربة الفترة 1982-2000، حين بقيت القوات الإسرائيلية فترةً طويلة في الجنوب اللبناني. وكلما عمّقت إسرائيل وجودها في لبنان، كلما تحوّل الصراع من مهمة دفاعية لحماية الحدود إلى مشروعٍ لفرض ترتيبات إقليمية بالقوة.
لكن مثل هذا التحول ربما يعزز الردع في المدى القصير، لكنه في المقابل، يُضعف المرونة الدبلوماسية، ويحمّل إسرائيل أثماناً عسكرية وسياسية واقتصادية باهظة.
في الخلاصة، يمكن القول إن التفوق الاستخباراتي والتكنولوجي والعملياتي الذي تتمتع به إسرائيل يفرض عليها التصرف بروية، وبطريقة متزنة وعملية وواقعية. إن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على استخدام القوة العسكرية، بل أيضاً بحكمتها في اختيار كيفية استخدام هذه القوة، والأهم من ذلك، معرفة متى يجب الامتناع من تكرار أخطاء الماضي.
المصدر: معاريف
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية