يسرائيل زيف
إن إقالة رئيس مجلس الأمن القومي تساحي هنغبي، هي أكثر من مجرد نزع لآخر مسمار مهني من هيئة الأمن التابعة للحكومة، إنها ضربة موجهة لأنه تجرأ على التمسك بموقفه الأمني المهني ضد الدخول غير الضروري إلى غزة في عملية «مركبات جدعون ب»، التي لم يعد ممكناً إخفاء سببها السياسي، كذلك دفع ثمناً لجرأته على القول إنه يجب التحقيق في إخفاق السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وتلميحه إلى ضرورة تشكيل لجنة تحقيق رسمية، وهي خطوة يتهرب منها رئيس الحكومة منذ عامين، بصفته المسؤول الأول عن الإخفاق، وآخر مَن لم يتحمل المسؤولية بعد. بعد استقالة رون ديرمر، ستبدو آلية اتخاذ القرار في إسرائيل، على سبيل المقارنة، شبيهة بتلك التي كانت سائدة في نظام صدام حسين، الذي صفّى أصحاب النفوذ من حوله، الواحد تلو الآخر.
كانت الحرب في العام الأخير أشبه بحلقة من رواية «كاتش 22» [قصة ساخرة معادية للحرب كتبها الكاتب اليهودي الأميركي جوزيف هيلر] التي أشارت إلى معضلة التعقل. بحسب الرواية، يُعتبر الجندي الذي يبدي خوفه من القتال عاقلاً وسوياً، لكنه لا يُعفى من الخدمة القتالية، ونظراً إلى عدم وجود خيار آخر، يُطلب منه الخروج إلى المعركة، لأن هناك حاجة إلى مقاتلين. في حرب غزة، كل مَن يحاول التعبير عن رأي أمني مستقل ومنطقي يشكك في الحاجة إلى مواصلة القتال، كان يعرقل مصلحة نتنياهو السياسية، وبالتالي يجري تشويه موقفه فوراً، ويُتهم بالجبن ومعارضة النصر. وهكذا «أُجبر» الجميع على دعم النصر ومواصلة الحرب، على الرغم من أننا انتصرنا منذ زمن طويل، والثمن المدفوع كان في سبيل منفعة محققة، وليس من أجل الحاجة إلى الحرب. هذا هو الفخ الذي نصبه نتنياهو طوال سنة ونصف السنة من الحرب، إلى أن ضاق ترامب ذرعاً، فأوقفه تماماً.
إن اتفاق غزة، بحد ذاته، يزداد تشابكاً، ويبدو كأنه كتلة من العقد المتداخلة لمصالح متناقضة، وحالة من الجمود تعيق أيّ تقدّم، وقد يشكل استمرار هذا التخبط قنبلة موقوتة قد تنفجر في يوم غير بعيد.
إن بنيامين نتنياهو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يقومان بدور «جليسة الأطفال» لإسرائيل خلال زيارة فانس.
أمّا الطرفان الرئيسيان في هذا المخطط، «حماس» وإسرائيل، فلا مصلحة حقيقية لأيّ منهما في تقدّم الاتفاق؛ «حماس» تستفيد من الفراغ وتستعيد قوتها بالتدريج، بينما يتمكن نتنياهو من التمسك بالشعار الجديد القائل «لدينا سيطرة أمنية على 53% من قطاع غزة.» على الرغم من أنه يخطئ ويضلل، لأن أيدي إسرائيل مقيدة، ولا تملك في الواقع أيّ أدوات ضغط لفعل شيء سوى حماية قواتها؛ الأميركيون لا يثقون بنتنياهو، ولو قليلاً، ويُفترض أن تسيطر قيادتهم على إدارة الجيش الإسرائيلي والدولة بالكامل، وهم يرسلون وفوداً متلاحقة للقيام بدور المراقب لحكومة لا يريدون أن تفاجئهم مرةً أُخرى، على غرار ما حدث في «الدوحة». فالقرار الأميركي بشأن عدم فشل الاتفاق قرار حتمي.
في هذه الأثناء، تدور معركة سياسية بين الشركاء العرب حول مَن ستكون له الكلمة الفصل في تنفيذ الاتفاق، الذي لا يتقدم إلى أي مكان. فالمحور القطري – التركي السّني يشدّ الأمر نحوه، ومصر والسعودية والإمارات تدفع إلى ناحيتها، والحقيقة أن على الجميع أن يكونوا ضمن المجلس، لكن مصر لها التأثير العملي الأكبر لتحريك الأمور في غزة، وخصوصاً لأن «حماس» لن تجرؤ على معارضتها. تستطيع حكومة إسرائيل أن تظن أنها تحدد شيئاً بشأن مَن سيدير المشهد، لكن هذا مجرد صرخات بلا أنياب.
من المتوقع أن يدرك ترامب وطاقمه قريباً أن نتنياهو وحكومته ليسوا شركاء حقيقيين في السلام، فهي حكومة متطرفة، وغير عقلانية، ووجهتها الوحيدة الحرب وضم الأراضي وتدمير السلطة الفلسطينية. لن يمدوا يدهم لأي حل منطقي في غزة، بل سينتظرون الفرصة الأولى للعودة إلى الحرب. يكفي إقرار قانون السيادة خلال زيارة نائب الرئيس للإدراك أن هذه الحكومة لن تدفع الاتفاق إلى الأمام، وإذا وُضعت كل الأوراق في رهان عليها فسيؤول الأمر إلى الفشل.
حين كانت إسرائيل لا تزال ذات صلة، قبل الموقف الأميركي، كان في إمكانها أن تبادر وتملي الشروط كجهة منتصرة، فلو أنها تصرفت بعقلانية قبل عام، أو حتى في آذار/مارس الماضي، وطبّقت خطة «اليوم التالي»، عندها كان يمكن أن يبدو كل شيء مختلفاً وأفضل كثيراً، إذ كانت أدوات الضغط في يدها، و»حماس» في موقع الضعف تضطر إلى مغادرة غزة، بما في ذلك احتمال العودة إلى القتال، فضلاً عن أن العالم بأسره كان سيقف وراءها ويدعم مطالبها، إذ كان النصر الحقيقي في متناولها من دون إملاءات، أو إذلال، مثلما هي الحال عليه اليوم.
غير أن نشوة السلطة لدى نتنياهو، الذي كان منشغلاً بنفسه وقرّر، خلافاً للتوصيات، شنّ الهجوم على الدوحة، جعلته يذهب بعيداً جداً، وفي المقابل فإن خطاب العفو المهين لترامب في الكنيست، نزَع عنه سلطته ومبادرته وسيطرته على الوضع في غزة تماماً. لقد انتهى عامان من الحرب والتكاليف الهائلة بفشل كامل، بدلاً من النصر الحاسم. كان المشهد محرجاً وشديد الإذلال في جلسة الكنيست، حيث جعل ترامب نتنياهو أضحوكةً لدى طلب العفو. إن رؤية نتنياهو وحكومته يصفقان كرعايا لملكٍ أوقف بركلة واحدة من قدمه حملة النصر الديماغوجية، كانت أمراً مخجلاً للغاية. ومع ذلك، كان لافتاً أن نرى كيف تحولت الأبواق التي نفخت طويلاً بشعارات المجد والنصر فجأةً إلى نشاز موسيقي يعزف على كمانات السلام، ومن دون نوتات منسقة في جعبتهم، فخرجوا مرتبكين، وإن لم يكن ذلك مهماً، فكل شيء في النهاية موجّه إلى الآذان الداخلية، والجودة أقلّ أهميةً من الشعور بالانتماء والأجواء.
وعلى الرغم من العثرات والعقبات، فإن الاتفاق سيمضي قدماً. عندما يقرر الأميركيون، وإن كانت البداية صعبة ومزعجة، ينتهي الأمر بالعمل بانضباط كبير، مثلما يجري في كل ما يفعلونه. هناك أمر واحد فقط يجب على الجمهور الواعي أن يقاتل من أجله الآن: المطالبة بحق الشعب في أن يقرر ماهية القيادة التي يجب أن تقودنا من الآن فصاعداً. يجب منع أي خطوة تحاول زعزعة الانتخابات، فالحكومة المتشبثة بالسلطة، بعد عامين من الإخفاقات، والتي لا تتحمل أي مسؤولية سوى جني النجاحات، ولم تطلب الصفح، يجب أن تنهي مسيرتها وتفسح المجال للشعب لكي يقرر.
المصدر: قناة N12
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية