بيروت - لبنان

اخر الأخبار

صحافة أجنبية

31 كانون الأول 2025 12:02ص من إعلام العدو .. بين التوقُّعات والواقع: ماذا جنى نتنياهو من ترامب؟

حجم الخط
آنا برسكي

كان الطريق إلى القمة في فلوريدا مليئاً بتوقعات قاتمة. ويجب قول ذلك بصراحة: هذا الشك لم يولَد من فراغ، إنما استند إلى سلسلة من التصريحات العلنية الصادرة عن كبار مسؤولي الإدارة الأميركية وعن ترامب نفسه، بالإضافة إلى صورة ميدانية معقدة على الأرض.
حتى قبل أن يجلس بنيامين نتنياهو قبالة دونالد ترامب في مار-إيه-لاغو، تشكّل في إسرائيل سيناريو شبه توافقي؛ رئيس أميركي مصمم على التقدم في ملف غزة بأي ثمن، ويدفع نحو المرحلة الثانية حتى من دون نزع سلاح «حماس» كشرط أساسي، ويُظهر انفتاحاً مقلقاً على وجود تركي في القطاع، والأهم من ذلك، لا يسارع إلى مواجهة جديدة مع إيران.
التقدير القائم هو أن نتنياهو وصل إلى اللقاء وهو في موقع ضعف: بلا طاقم تمهيدي قوي، ويعتمد سياسياً ودبلوماسياً على ترامب، ومكشوف أمام إمكان الانجراف إلى سلسلة من الخطوات الصغيرة، التي يبدو كل واحد منها معقولاً بحد ذاته، إلى أن يتضح أن الواقع الذي تكشّف في الغرفة لم يكن مريحاً كما تمنت رئاسة الحكومة، لكنه أيضاً كان بعيداً عن سيناريو تُعاد فيه كتابة قواعد اللعبة فوق رأسه.
إن الاستماع المتأني إلى تصريحات ترامب في مستهل اللقاء، ووضعها في سياق الخلفية التي سبقته، يرسم صورة أكثر تعقيداً كثيراً؛ فنحن لا نتحدث عن انقلاب أو استسلام، إنما نتحدث أساساً عن مزيج غير مريح من إنجازات فعلية، وفجوات مبدئية، ومساحة رمادية واسعة ما زال كل شيء فيها مفتوحاً.
لنبدأ من النقطة التي تقلّص فيها القلق الإسرائيلي أكثر مما كان متوقعاً؛ مسألة «حماس» ونزع سلاحها. في مواجهة التقديرات التي رأت أن واشنطن ستفضّل إعادة الإعمار المدني على التفكيك الأمني، قال ترامب ببساطة وكرر أنه «لا بد من نزع السلاح»، وسيكون هذا أحد المحاور المركزية التي سيناقشها هو ونتنياهو.
وهذا ليس التزاماً بجداول زمنية ولا خطة تنفيذية، لكن هذا الكلام ليس عبارة بروتوكولية، إنما هو يعكس موقفاً مبدئياً واضحاً؛ تفكيك «حماس» لا يزال في صلب النقاش، ولم يُدفع إلى الهامش، كما حدث في وقت سابق مع حلم «ريفييرا غزة»، وبهذا المعنى، لم تجد إسرائيل نفسها معزولة من حيث المبدأ.
هنا تبدأ المنطقة الوسطى؛ ففي الوقت نفسه تقريباً، أوضح ترامب أن إعادة إعمار غزة «ستبدأ قريباً نسبياً»، وأشار إلى أن الولايات المتحدة منخرطة فعلاً في خطوات مدنية وصحية.
أي أن إعادة الإعمار، حتى لو كان نزع سلاح «حماس» هدفاً معلناً، لا تنتظر اكتماله. وهذه فجوة عميقة، ليس فيما يجب أن يحدث، بل في ترتيب المراحل والإيقاع؛ فبالنسبة إلى نتنياهو، فإن هذه نقطة احتكاك محتملة، بينما هي بالنسبة إلى الرئيس الأميركي مزيج من ضغط دولي ورغبة في إظهار تقدم ملموس.
أمّا الفجوة الأشد، فقد ظهرت في مسألة تركيا؛ إذ لم يستبعد ترامب وجوداً تركياً في غزة، إنما وصفه بأنه فكرة قد تبدو «جيدة»، مع تأكيد أنه سيتحدث عن ذلك مع نتنياهو. وهذا ليس قراراً نهائياً، لكنه إشارة واضحة. وفي هذه النقطة تحديداً، لم تكن المخاوف التي سُمعت في إسرائيل عشية اللقاء بلا أساس؛ فواشنطن منفتحة على دور ترى فيه القدس إشكالية، وربما تراه خطِراً، ويبدو أن المواجهة حول هذا الموضوع ما زالت أمامنا.
في المقابل، على الساحة الإيرانية، حصل نتنياهو من ترامب على أكثر مما بدا مطروحاً كثيراً؛ فالرئيس الأميركي لم يكتفِ بتهديدات عامة، بل أيضاً صاغ موقفاً حاداً ونادر الوضوح: إذا واصلت إيران برنامج الصواريخ البالستية والبرنامج النووي، فسيكون هناك دعم لضربة عسكرية، وأضاف بصراحة: «وإلاّ، فنحن سنفعل ذلك فوراً.» هذا تصريح يمنح إسرائيل دعماً سياسياً مهماً، حتى وإن لم يترجَم بعد إلى خطوات عملياتية فورية.
بالإضافة إلى ذلك، وعلى الصعيد الشخصي–السياسي، فقد نال نتنياهو مديحاً مبالغاً فيه، وقُدم كقائد لا غنى عنه لأمن إسرائيل، كما حصل على دعم علني غير مسبوق في الدعوة إلى منحه عفواً.
لكن هنا لا بد من وجود توضيح مهم: هذا إنجاز إعلامي وصوري أساساً، يصنع عناوين ولحظات، لكنه لا يغير قواعد اللعبة المؤسسية داخل إسرائيل. إنه عناق سياسي، لا خطوة دبلوماسية.
الخلاصة معقدة؛ كما هو الحال دائماً مع الرئيس الأميركي غير المتوقَع، كذلك كان اللقاء نفسه. نتنياهو لم يدخل مار-إيه-لاغو وكأن كل الأوراق انقلبت ضده فقط، بل أيضاً لم يخرج باتفاقات مغلقة حول غزة.
لقد حصل على دعم أميركي قوي في مواجهة إيران، وتثبيت مبدئي لأهمية تفكيك «حماس»، ودعم شخصي استثنائي في شدته. وفي المقابل، فقد بقيت هناك فجوات جوهرية في ترتيب الأولويات في غزة، وفي مسألة الجهات التي ستدخل إليها.
وربما الاستنتاج الأهم هو أن التقديرات عن قطيعة عميقة كانت مبالغاً فيها (وكالعادة، سيسارعون إلى قول ذلك في محيط نتنياهو)، لكن النشوة أيضاً ستكون خطِرة. فترامب ونتنياهو يتحدثان اللغة العاطفية والاستراتيجية العامة نفسها، لكنهما يترجمانها بصورة مختلفة في التفاصيل. وفي الشرق الأوسط، التفاصيل هي التي تحدد ما إذا كانت القمة تتحول إلى إنجاز، أم مجرد نقطة انطلاق لنقاش طويل.

المصدر:معاريف
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية