بيروت - لبنان

اخر الأخبار

صحافة أجنبية

27 تشرين الأول 2025 12:05ص من إعلام العدو: ضم الضفة سيحوِّل إسرائيل إلى كيان بلقاني دموي لشعبين عدوَّين!

حجم الخط
ميخائيل ميلشتاين

إن طرح مشروع قانون السيادة (الضم) والتصريحات الفظة التي أطلقها الوزير بتسلئيل سموتريتش ضد السعوديين أشعلا عاصفة سياسية وإعلامية في إسرائيل، تمحورت حول تداعيات هذه الخطوات على العلاقات مع الولايات المتحدة، وعلى السياسة الداخلية، لكن هاتين الحادثتين تعكسان في العمق جوانب أعمق تتعلق بالاستراتيجيا التي تقود إسرائيل، وكيف تُتخذ القرارات، وهل تحسّن فهم صانعي القرار للبيئة المحيطة بعد 7 أكتوبر، أم ظل هذا الفهم محدوداً، مثلما كان عليه؟
فتصريحات سموتريتش، الذي نصح السعوديين «بأن يركبوا الجمال في الصحراء، بدلاً من السعي للتطبيع» تعبّر عن احتقار عميق لدول المنطقة، وكذلك عن جهل واسع. وانعكس هذا النمط من التفكير أيضاً  في موقف ضابط الاستخبارات في فرقة غزة عندما عُرضت عليه خطة «جدار أريحا»، قبل 7 أكتوبر، فقلّل من شأنها، قائلاً إنها «هراء عربي»، وكذلك في «خطاب الصنادل» الشهير لرئيس الحكومة نتنياهو.
في الخلفية، تقف «النظرية الجديدة» التي تقوم على الافتراض  أن الظروف نضجت لتنفيذ خطوات الضم، وتستند هذه الفكرة إلى عدد من الفرضيات:
أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيقف دائماً إلى جانب إسرائيل في أي سيناريو.
أنه يمكن ترويج «ضم خفيف»،  مثل ضم غور الأردن،  يكون مقبولاً من واشنطن وبعض الدول العربية.
حتى لو أقدمت إسرائيل على خطوات ضم، فستظل قادرة على تحقيق التطبيع مع العالم العربي الذي يُقال إنه «سئم من القضية الفلسطينية».
لكن هذه الافتراضات انهارت، أحياناً  بشكل مهين، حسبما ظهر في تصريحات ترامب ونائبه جاي دي فانس الأسبوع الماضي، حين أكدا التالي: «نحن لا نوافق على الضم الإسرائيلي.» وعلى الهامش، لم يترددا في التهكم على «غباء» تمرير قانون السيادة خلال زيارة نائب الرئيس لإسرائيل. وبلغت المفارقة ذروتها حين أعلن ترامب أنه يفكر في قضية الأسير الفلسطيني مروان البرغوثي(!)  الذي حكمت عليه محكمة إسرائيلية بخمسة مؤبدات.
ومهما تلقى دعاة الضم من صفعات سياسية وانتكاسات، على غرار ما جرى في سنة 2020، عندما تخلّت إسرائيل عن فكرة الضم لمصلحة اتفاقات أبراهام، فإنهم ما زالوا يؤمنون بإمكانات تحقيق «الرؤية»، من دون أي استعداد لتعلّم الدروس، أو مراجعة الذات.

إنهيار مفاهيم جديدة

من المستغرب أن يكون الذين اخترعوا «مفهوم 7 أكتوبر» الذي فشل فشلاً ذريعاً، هم أنفسهم الذين يروّجون اليوم فكرة أن فرصة فرض السيادة الإسرائيلية تعززت، وهم أيضاً الذين أطلقوا مفاهيم جديدة انهارت في غزة، وعلى رأسها مشروعGHF  الذي أُهدرت فيه مليارات الشواكل؛ ومشروع تشجيع هجرة سكان غزة «طوعاً» الذي رافقه إنشاء مديرية بيروقراطية عديمة الفائدة في وزارة الدفاع؛ وكذلك فكرة دعم الميليشيات والعشائر كبديل من «حماس»،  والتي انتهت الآن بملاحقة أفراد تلك المجموعات واعتقالهم، أو تصفيتهم.
ولأن إخفاق 7 أكتوبر لم يخضع لتحقيق جدّي، لا يرى أحد أن هناك حاجة إلى تحليل فشل هذه الأوهام التي ازدهرت في غزة، وخصوصاً خلال النصف الأول من العام الحالي، حين عادت إسرائيل إلى القتال هناك. بل بالعكس، يشعر المسؤولون عن هذه الإخفاقات بالراحة في طرح أوهام جديدة، مثل خطة إقامة «غزّتين»، واحدة مزدهرة بإدارة إسرائيلية ودولية، وأُخرى فقيرة ومدمرة تحت حُكم «حماس»، والتي يُفترض أن تُضعف الحركة من خلال المقارنة.
وهكذا، تتكرر المشاريع المفعمة بالثقة الزائدة التي تسعى «لهندسة الواقع والوعي»، لكنها تقوم على سوء فهم عميق للطرف الفلسطيني، وهو ما يؤدي إلى تكرار أخطاء الماضي، من دون أي تحقيق، أو تحمُّل للمسؤولية، أو محاسبة ذاتية مطلوبة من صانعي القرار.

المفهوم الجديد أخطر من سابقه

هذا المفهوم الجديد أخطر من مفهوم 7 أكتوبر. فهو لا يعكس مجرد خطأ في التقدير، أو فجوة في الفهم، بل هو إيمان أيديولوجي مفعم بالأوهام والرغبات العاطفية، يوجّه جزءاً كبيراً من خطوات الحكومة الإسرائيلية اليوم،  وخصوصاً التيار الديني القومي الذي يسترشد بفكرة «لا قيمة للأغيار». يدرك مروّجو هذا المفهوم الضرر الكبير الذي يسببونه، مثل التوتر الحاد الذي نشأ الأسبوع الماضي مع الإدارة الأميركية بسبب الدفع قدماً بقانون السيادة، لكنهم يعتبرون هذه الأزمات مجرد «عقبات صغيرة على طريق الخلاص»، وليست إخفاقات تستدعي النقد الذاتي، أو التصحيح.
ويقف على رأس هؤلاء الوزير سموتريتش الذي لا يتأثر بالعزلة الدولية، أو بالعقوبات المحتملة، ولا يرى أهمية للثمن الذي قد يُدفع جرّاء السيطرة على مزيد من الأراضي («لسنا خائفين من حُكم عسكري في غزة»)، فهو يتمسك بمنظومة قيَم توراتية تقوم على إبادة «العماليق»، ويقدم رؤية مبسطة للواقع تخلو من أي تعقيد، ويروّجها على أنها «استراتيجيا وطنية» من خلال شعارات، مثل «العرب لا يفهمون إلّا بالقوة»، و«حيثما توجد مستوطنات لا يوجد «إرهاب»
في الخلفية، تتجسد صورة جماعة ترى أنها مَن يحمل الرسالة التاريخية لتصحيح الواقع «بمعجزة إلهية» بعد 7 أكتوبر، وتؤمن بأن هذا هو الوقت المناسب لتغيير الخريطة الجغرافية والديموغرافية والسياسية بين البحر والنهر.
يتعيّن على الجمهور الإسرائيلي إدراك الضرر الاستراتيجي العميق الذي تسببه هذه «النظرية الجديدة»،  التي لا تحظى بإجماع داخلي، لكنها تغيّر ملامح الدولة بالتدريج، من خلال الدفع الواعي نحو الاندماج مع الضفة الغربية لخلق كيان واحد، سيحوّل إسرائيل فعلياً إلى كيان بلقاني دموي يعيش فيه شعبان عدوّان من دون فاصل، وهو ما يعني انهيار فكرة الفصل القومي والسياسي بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
هذه ليست مجرد خلافات بشأن وسائل العمل، أو الأهداف الاستراتيجية، بل صراع على هوية إسرائيل نفسها: هل ستكون دولة تنتمي إلى أسرة الأمم، وتربطها علاقات طبيعية بمحيطها، أم حصناً منعزلاً غارقاً في رؤى دينية متعصبة، يقوده زعماء يرفضون التعلم من التاريخ اليهودي، وخصوصاً  من الدروس التي تقول إن مثل هذه الأوضاع تنتهي دائماً بالخراب.

المصدر: يديعوت أحرونوت
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية