ميخائيل ميلشتاين
بعد نحو عام من تسجيل أحد أهم الإنجازات في حرب «السيوف الحديدية» - الضربة القاسمة لحزب الله، الذي شكّل تهديداً استراتيجياً طويل الأمد لإسرائيل، وكان قاعدة مركزية لإيران في الشرق الأوسط - تتزايد الحاجة إلى العودة إلى حملة واسعة في لبنان لضمان عدم تكرار واقع 6 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان قبل عام، ترسّخ في إسرائيل مبدأ يحظى بشرعية داخلية وخارجية، فحواه أن أي تهديد يظهر في لبنان - كعمليات، أو جهود إعادة بناء، أو تهريب أسلحة - يُقضى عليه بالقوة. ومع ذلك، فإن دمْج الحماسة العقائدية المتطرفة لحزب الله في الدعم الذي يتلقاه من إيران، والمصاعب التي تواجهها الحكومة اللبنانية الجديدة في نزع سلاح الحزب، ينشئ تهديداً مقلقاً؛ فهناك أسلحة كثيرة تُهرَّب إلى لبنان، وخطوط الإنتاج عادت إلى العمل، ويجري تنظيم صفوف الحزب من جديد، بما في ذلك تعيين قادة وتجنيد عناصر جديدة. إن الحزب يزداد ثقة بنفسه بالتدريج، ويلمح إلى أنه لن يقبل المعادلة التي تفرضها إسرائيل لفترة طويلة.
وينبع الإجماع الواسع بشأن الحرب التي أُديرت في لبنان قبل عام، وتلك التي ربما أن تُدار قريباً، من كون المواجهة في هذه الساحة تستند إلى أهداف محددة وواقعية، وجهد سياسي مكمّل للجهد العسكري، بعكس الحملة في غزة، التي كانت ناجحة عسكرياً لكنها فاشلة استراتيجياً؛ إذ امتلأت بالأوهام والرغبات والأهداف السياسية والشعارات الفارغة والمخططات الخيالية (التي انهارت فور انتهاء القتال، كخطة الـ»GHF» والعشائر)، والمغامرات الضارة (كالهجوم في قطر). هذه الأمور أضرّت بشدة بالمكانة الدولية لإسرائيل، وأدت إلى جدل داخلي بشأن هدف الحملة، وانتهت بتدخُّل أميركي فرض قيوداً على حرية عمل إسرائيل ووضعها أمام وقائع غير مريحة لها.
واستعداداً لحملة ممكنة في لبنان، يجب على إسرائيل التزام السياسة التي تتّبعها ضد حزب الله منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، وتجنُّب تبنّي خصائص حرب غزة. ينبغي أن تكون المواجهة محددة في الزمان والمكان، وأن تستند إلى أهداف قابلة للتحقيق، وعلى رأسها تطهير المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني من التهديدات الأمنية، وهو ما سيتطلب على الأرجح مناورة برية جديدة في جنوب لبنان، إلى جانب ضربات أوسع داخل أراضي لبنان، بما في ذلك بيروت، بدلاً من إطلاق شعارات كـ»تدمير حزب الله»، الذي بدأ يتردّد من «مصادر سياسية» من دون تفكير كافٍ في معناه العملي وإمكان تنفيذه. كما أنه من الضروري وجود تنسيق واسع مع المجتمع الدولي، كي لا تجد إسرائيل نفسها تحت ضغط شديد كما حدث في غزة، بحيث تُسلب منها بالتدريج المسؤولية الكاملة الحصرية، وحرية العمل.
إن نزْع سلاح حزب الله بالكامل، كما الحال أيضاً مع نزع سلاح «حماس»، هو هدف مشروع، لكن من الضروري التفكير بعمق في مدى قابليته للتنفيذ؛ ففي الحالتين، ليس مؤكداً أن هذا الطموح الأقصى قابل للتحقيق، إلاَّ إذا احتلت إسرائيل قطاع غزة بالكامل ومعظم لبنان وقررت البقاء فيهما لفترة طويلة. وفي المقابل، هناك أهداف أقل مثالية، لكنها ربما «الشر الأقل» في الوقت الراهن؛ ففي حالة «حماس»، يجب منْع تعزيز قوتها عبر وجود رقابة فاعلة على محور فيلادلفيا ومعبر رفح، وتطبيق النموذج اللبناني في القضاء المستمر على التهديدات (إلى أن تقرر إسرائيل خوض حملة واسعة ضد «حماس» مستقبلاً). أمَّا في حالة حزب الله، فيجب ضمان حرية العمل، وتطهير جنوب لبنان من التهديدات، ودفع المجتمع الدولي إلى الضغط على الحكومة اللبنانية للعمل بحزم ضد الحزب (من دون توقعات مفرطة في هذا الجانب). من السهل السخرية وادعاء أن هذا نهج انهزامي على طريقة 6 تشرين الأول/أكتوبر، لكن من الأفضل التحلي بعقلانية ونظرة نقدية - وهما ما لم تكونا موجودتَين قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر أو حتى بعده - وفهْم أن الإصرار على الأوهام، كما ثبت في غزة، يقود إلى مستنقع خطِر، ولحسن حظ إسرائيل أن الأمر لم ينتهِ بأضرار أشد بفضل تدخُّل ترامب.
ومن اللافت أن المطالبين بنزع السلاح بالكامل هم غالباً من صاغوا مفهوم 7 تشرين الأول/أكتوبر، واعتقدوا أنه يمكن تغيير «الحمض النووي» للجماعات الإسلامية المتطرفة عبر الإغراء الاقتصادي (فارق لم يُحقَق أبداً)، وهم الآن يتمسكون بالإيمان بأنه بالضغط العسكري يمكن إجبار هذه الجماعات على التخلي عن عنصر مركزي في هويتها والتحول إلى أحزاب سياسية أو جمعيات خيرية.
وبعد أكثر من عامين على الانعطافة المزلزلة في حروب إسرائيل، من المهم ترسيخ الفهم لطبيعة المنطقة والتحديات الكامنة فيها؛ فلا يوجد ما يسمى نصراً كاملاً أو «إلى الأبد»، وكل إنجاز عسكري يحتاج إلى صيانة مستمرة، وهي عبرة مهمة أيضاً تجاه إيران واليمن. وإن تمسُّك نتنياهو بتشبيه «برلين 1945» يعقِّد القدرة على فهم طبيعة المعركة والأعداء بدقة، وتطوير ردّ مناسب. كما أن إمكان «إزالة التطرف بالقوة» عبر «إعادة برمجة عقول» شعوب المنطقة نحو التفكير الإيجابي معدوم. بدلاً من ذلك، يتوجب على إسرائيل متابعة التهديدات باستمرار، والمبادرة إلى إجهاضها -كما فعلت بنجاح في لبنان - مع الحفاظ على قوة عسكرية كبيرة وجاهزة، وتطوير تحالفات إقليمية، وتجنُّب الاحتكاكات غير الضرورية، والتخلّي عن الأوهام، وقبل كل شيء بدْء التحقيق في إخفاقات الماضي، لأنه من دون، ذلك ستستمر إسرائيل في الاعتماد على الأوهام بدلاً من استراتيجيا واقعية.
المصدر: يديعوت أحرونوت
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية