عاموس هرئيل
سبقت الهجوم الإرهابي الدموي بإطلاق النار على شاطئ البحر في سيدني في أستراليا، صباح (الأحد)، تحذيرات استخباراتية عديدة من إسرائيل إلى الحكومة المحلية؛ فمنذ «مجزرة» غلاف غزة في 7 تشرين الأول/ أكتوبر، والحرب بين إسرائيل و«حماس»، لوحظ في أنحاء أستراليا ارتفاع ملحوظ في حجم الحوادث العنيفة والمعادية للسامية والمعادية لإسرائيل. صحيح أن السلطات اتخذت إجراءات أمنية واحترازية عديدة، لكن الانطباع في إسرائيل كان أن هذه الخطوات تُنفَّذ على نطاق محدود بدافع عدم الرغبة في المواجهة مع الجالية المسلمة الكبيرة في البلد.
وفي المجزرة التي استهدفت حفلاً جماهيرياً لممثلي حركة «حباد» [من أكبر الحركات الدينية الحسيدية في العالم] بمناسبة عيد الحانوكا على شاطئ بوندي في سيدني، شارك ما لا يقل عن مسلحَين اثنين ببنادق. وأفادت شرطة سيدني بمقتل ما لا يقل عن 15 شخصاً وإصابة 30 آخرين جرَّاء إطلاق النار. وذُكر أن منفذَي الهجوم هما مواطن لبناني وآخر باكستاني، وقُتل أحدهما وأُصيب الآخر، والشرطة تحقق فيما إذا كان هناك شخص ثالث متورط في إطلاق النار. وقال شهود عيان إن استجابة الشرطة في المكان كانت بطيئة، وإن بعض عناصر الشرطة فقط حاولوا استهداف المسلحين، واندلعت في الموقع اشتباكات مسلحة مطولة. ويُظهر مقطع فيديو مواطناً ينقض من الوراء على أحد المسلحين وينتزع سلاحه. وقد أشاد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بـ»البطل اليهودي» الذي سيطر على الإرهابي، لكن اتضح لاحقاً أن الشخص هو رجل يُدعى أحمد الأحمد.
وقد حمّل وزراء إسرائيليون الحكومة الأسترالية مسؤولية الهجوم، وادعوا أنها لم تتحرك بما يكفي لكبح العنف المعادي للسامية في البلد. وفي هذه الادعاءات قدر من المنطق، لكن لا يمكن تجاهل التساؤل حول السهولة التي تُحمِّل بها الحكومة الإسرائيلية دولاً أُخرى مسؤولية الإرهاب، بينما هي تتنصل منذ عامين وثلاثة أشهر من أي مسؤولية عن «مجزرة» 7 تشرين الأول/أكتوبر. وقد انشغل الائتلاف الحاكم في إسرائيل اليوم بمحاولة دفع مشروع قانون يهدف إلى منع تشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث «المجزرة».
وقد بدأ الشعور بارتفاع الحوادث المعادية للسامية في أستراليا بعد وقت قصير من اندلاع الحرب في قطاع غزة؛ إذ كُتبت شعارات كراهية على جدران محال تجارية، ومبانٍ عامة، ومنازل يملكها يهود. وبالإضافة إلى ذلك، فقد جرت تظاهرات عنيفة عديدة أُطلقت خلالها هتافات معادية للسامية بصورة صارخة، وتعرض يهود لمضايقات واستفزازات في الجامعات وفي الشوارع.
وأشار تحليل استخباراتي أُجري في إسرائيل إلى اتجاهين بارزَين: الأول يتعلق بتورط ناشطين مؤيدين للفلسطينيين، بعضهم مهاجرون مسلمون، وبعضهم من اليسار الأسترالي، ويتم ذلك بتشجيع من منظمات إرهابية متعددة كداعش والقاعدة. أمّا الاتجاه الثاني، فيرتبط بتوجيه خارجي من جانب عناصر في فيلق «القدس» التابع للحرس الثوري الإيراني. وفي آب/ أغسطس الماضي، وعلى خلفية أدلة نقلتها إسرائيل حول تورط إيراني في الحوادث، قامت أستراليا بطرد السفير الإيراني في خطوة استثنائية. وبالتوازي، أعلنت الحكومة الأسترالية الحرس الثوري منظمة «إرهابية»، وذلك بعد أن تبين وجود صلة له بهجومين معاديَين للسامية في البلد.
ومع ذلك، فإن هناك قناعة في إسرائيل بأن الحكومة الأسترالية ما زالت تخشى المواجهة المباشرة مع هذه الظاهرة، وخصوصاً مع مظاهر الاحتجاج التي حظيت، على ما يبدو، بحماية حرية التعبير. وحتى في البيان الرسمي الأول لرئيس الوزراء الأسترالي، أنطوني ألبانيزي، بعد هجوم اليوم، لم يُذكر مطلقاً أن هدف الإرهابيَين كان إيذاء اليهود خلال احتفال بمناسبة عيد الحانوكا. ولاحقاً، أصدر ألبانيزي بياناً أكثر تفصيلاً تناول فيه هذه النقطة، بعد أن وجهت منظمات يهودية انتقادات حادة إليه.
وقد أدت الحرب في غزة، والادعاءات بارتكاب الجيش الإسرائيلي جرائم حرب في القطاع، إلى إطلاق موجة عالمية واسعة من العداء لإسرائيل، وفي كثير من الحالات معاداة للسامية. ولم يؤدِّ تراجع القتال في القطاع بعد وقف إطلاق النار الذي فرضه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في منتصف تشرين الأول/أكتوبر إلى تهدئة مماثلة في التحركات المعادية لإسرائيل، والتي يشمل جزء غير قليل منها نشاطاً «إرهابياً» فعلياً. وتفترض الأجهزة الأمنية أن المواقع المرتبطة بإسرائيل وباليهودية حول العالم، بما في ذلك المعابد اليهودية، ومراكز حباد، والمدارس، ستظل أهدافاً محتملة. ويقدم الموساد وجهاز الشاباك إرشادات إلى الجاليات اليهودية في أنحاء العالم في قضايا الأمن وتحليل الاتجاهات والتحذيرات الاستخبارية، غير أن إسرائيل ترى أن هناك حاجة إلى تعاون أوثق من جانب الحكومات من أجل محاولة مواجهة المشكلة، التي يُتوقع أن تتفاقم وتتوسع أكثر.
المصدر: هآرتس
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية