تسفي برئيل
إن المليونير الأميركي الجديد الذي سيخدم في إدارة ترامب هو ميشال عيسى، ومن المقرر أن يبدأ هذا الشهر مهامه كسفير الولايات المتحدة في لبنان. وعلى الرغم من أن عيسى ليس مليارديراً كستيف ويتكوف، وهو أقل ثراءً من توم براك، المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية ولبنان، فإنه، مثلهم، كان عضواً في «المسار الصحيح» للترقي الدبلوماسي؛ أي مسار ملاعب الغولف التي كان يلعب فيها مع الرئيس دونالد ترامب.
وهو من عشّاق السيارات، وكان قبل عشرين عاماً وكيلاً لسيارات بورش وفولكسفاغن في الولايات المتحدة، وهو من أصل لبناني كبراك. وُلد في لبنان، ودرس الاقتصاد في جامعة باريس، وعمل لأعوام في مجال البنوك والتجارة الخارجية في مؤسسات مالية كبرى كتشيس مانهاتن وكريدي أغريكول الفرنسي. والآن هو الرجل الذي يُفترض أن يحاول إنقاذ لبنان من أزمته السياسية والاقتصادية والعسكرية، على الرغم من أن الاحتمالات ليست مشجّعة.
وكان المبعوث الأميركي توم براك قد التقى في تموز/يوليو الماضي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في بيروت. وكما عيسى، فقد وصل إلى هذا المنصب عبر مسار لعب الغولف مع ترامب قبل تعيينه. وقبيل وصول عيسى إلى لبنان، سبقتْه تحذيرات براك، إذ كتب في حسابه على منصة «X»: «إذا لم يبدأ لبنان التحرك ونزع سلاح حزب الله بنفسه، فربما تتصرف إسرائيل بصورة أحادية الجانب، وستكون النتائج مروّعة.» وأضاف براك، الذي لا تلتزم لغته عادةً الأعراف الدبلوماسية «لبنان الآن في وضع هشّ، إذ إن وقف إطلاق النار لم يؤدِّ إلى سلام، والجيش يعمل بلا حكومة، والحكومة لا تسيطر على شيء.»
إن لغة براك الحادة ليست جديدة، وكذلك الانتقادات التي يتعرض لها في لبنان، لكنها على الأقل تعكس الواقع بدقة؛ فبعد أن اتخذت الحكومة اللبنانية في مطلع أيلول/سبتمبر قراراً «تاريخياً» بنزع سلاح حزب الله، وأمرت الجيش بإعداد خطة عمل مفصلة لإنهاء القضية بحلول نهاية العام، تبيّن أن التقدم بطيء للغاية، وجمْع السلاح شمال نهر الليطاني لم يبدأ فعلياً، بينما تمكّن الجيش جنوب الليطاني من السيطرة على عدد من قواعد حزب الله، لكن المسافة لا تزال بعيدة بين الخطة والتنفيذ. وقبل أسبوعين، قدّم الجيش تقريره الأول إلى الحكومة، وهو تقرير سرّي، لكنّ التسريبات تشير إلى أن العملية لا تزال في بدايتها.
خطة براك الجديدة
إن بطء الحكومة اللبنانية نابع من الخوف من مواجهة مسلحة بين حزب الله، الذي أعلن أنه لن يسلم سلاحه شمال الليطاني، وبين الجيش اللبناني، وهي مواجهة يمكن أن تجر البلد إلى حرب أهلية.
وهذا البطء دفع براك إلى طرْح خطة عمل جديدة، تبدو بدورها معركة صعبة المنال؛ وفقاً لها، ستوقف إسرائيل هجماتها الروتينية على الأراضي اللبنانية لمدة شهرين، يتم خلالهما التفاوض على انسحاب متدرج من خمسة مواقع إسرائيلية داخل لبنان، وبدء مفاوضات لترسيم الحدود البرّيّة بين البلدين كما ورد في القرار 1701. كذلك، يُفترض أن يُعاد الأسرى اللبنانيون المحتجَزون في السجون الإسرائيلية، وأن تُقام منطقة منزوعة السلاح في جنوب لبنان بعد استكمال عملية نزع سلاح حزب الله.
هذه الخطة لا تختلف جوهرياً عن ورقة العمل التي قدّمها براك سابقاً إلى الحكومة اللبنانية مرفقة بإنذار نهائي، لكنها تحاول إنشاء آلية جديدة يشارك فيها عسكريون لبنانيون، وقانونيون، ودبلوماسيون، وربما وزير أو اثنان. وهنا لا يجري الحديث بعد عن مفاوضات سلام، إنما عن محاولة إيجاد أساس مشترك للتعاون يمكن أن يفضي لاحقاً إلى حوار سياسي.
وبعد وقت قصير من نشر تغريدة براك الطويلة، نشرت الصحيفة السعودية «الشرق الأوسط» مقابلة مع رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، قال فيها إن «براك بلّغ الحكومة اللبنانية بأن إسرائيل رفضت تماماً المقترح الأميركي، وأنه لا توجد حالياً مفاوضات مباشرة ولا حتى غير مباشرة، وما تبقّى هو فقط «الآلية»، أي لجنة الرقابة الدولية المكلّفة بمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار».
ومع ذلك، وعلى الرغم من الرفض الإسرائيلي، فإنه يبدو أن رئيس الجمهورية جوزاف عون، ورئيس الوزراء نواف سلام، ونبيه بري، لا يتراجعون عن جهودهم لاستئناف المفاوضات، ويحاولون إقناع حزب الله بالموافقة على مجرد إجرائها، ويعتمدون في ذلك على سابقة الترسيم البحري بين لبنان وإسرائيل، الذي وافق عليه حزب الله ضمنياً، وانتهى باتفاق كامل بين الطرفين. ووفقاً لمصادر لبنانية تحدثت إلى وسائل إعلام محلية، فإن حزب الله يمكن أن يبدي مرونة نسبية، إذ يمكن أن يسمح للحكومة بإدارة المفاوضات شرط أن توقف إسرائيل هجماتها، لأنه يرفض «أي مفاوضات تحت النار». وهذا الموقف يُظهر درجة من المرونة، مقارنة بمطالبه السابقة بأن تنسحب إسرائيل بالكامل من الأراضي اللبنانية قبل أي تفاوض.
الموقف الإسرائيلي والأميركي
قال مصدر إسرائيلي مطلع على الملف اللبناني لصحيفة «هآرتس» إن موقف الحكومة الإسرائيلية هو أنه لا مجال لأي تنازل في ما يخص نزع سلاح حزب الله كشرط أساسي لأي انسحاب أو وقف اللهجمات، وأضاف أن «إسرائيل تمتعت حتى الآن بحرّيّة عمل عسكرية، بدعم كامل من الإدارة الأميركية، وهي لا تنوي تقييد نفسها». وهذا الدعم ظهر أيضاً علناً في تصريحات براك، الذي قال قبل أسابيع: «الولايات المتحدة لا يمكنها أن تملي على إسرائيل كيف تتصرف ما دامت الحكومة اللبنانية لا تفي بالتزاماتها تجاه اتفاق وقف إطلاق النار».
غير أن هذا الموقف وُضع قبل أن يفرض ترامب وقف إطلاق النار في غزة ويحدد شروطه وفق خطة النقاط العشرين. وبعد خطاب ترامب في الكنيست، الذي أعلن فيه دَعْمَهُ رئيسَ لبنان على قراره تفكيك سلاح حزب الله، صرّح عون قائلاً: «لا مفرّ من التفاوض مع إسرائيل، لأن الأجواء العامة هي أجواء تسويات».
ولم يوضح عون ما إذا كان يقصد مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة، ولا طبيعتها، لكن في لبنان يسود التفاؤل بعد التغير الذي طرأ على السياسة الأميركية إزاء غزة، ويأملون أن يقوم ترامب، الساعي لتوسيع اتفاقات أبراهام، بفرْض خطوات مشابهة على إسرائيل وإطلاق مسار سياسي جديد في لبنان.
لكن خلافاً للوضع في غزة، ففي لبنان حكومة شرعية تُظهر استعدادها –ولو المحدود - لتفكيك سلاح حزب الله، وهي تستند إلى دعم سياسي وشعبي واسع، وإلى قناعة بأنه من دون اتفاق دائم لا يمكن للبنان أن يخرج من أزماته المزمنة.
المصدر: هآرتس
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية