لقد خسرنا، في سقطاتٍ متتالية، كل ما كان يشكّل هويتنا وتفوّقنا؛ تلاشت وكالات التجارة الإقليمية، وانطفأ بريق الصحافة والريادة الثقافية، وهجرتنا الشاشات واستوديوهات الفن والإبداع.
لم يتوقف النزيف عند الاقتصاد، بل طال الروح والمكان؛ فتراجعت أجنحة طيراننا، وانكسر شموخ المرافئ والمطار، وتهاوت قلاع الطب والتعليم، وانحدرت المصارف والمنشآت التي كانت يوماً فخر الشرق.
لكنّ الخسارة الأدهى كانت في «الإنسان»؛ في خيرة شبابنا الذين قذفت بهم الهجرة إلى أصقاع الأرض أو إلى غياهب المجهول، لنفقد معهم كرامتنا الجماعية وسمعتنا التي كانت تسبقنا إلى أصقاع العالم.
كل هذا حدث لأننا لم ندرك قدسية الوطن. وسيدوّن التاريخ بمدادٍ من أسف، أن شعباً برع في البناء، قد تفنن أيضاً في الهدم؛ وأن اللبنانيين حين غلّبوا الانقسام على الوحدة، والتبعية على الوطنية، قوّضوا الهيكل فوق رؤوسهم ورؤوس أحفادهم.
ولم تنتهِ المأساة هنا، بل تفشّت فينا أوبئة فكرية ونفسية هي أشدّ فتكاً من الرصاص:
الزهايمر الوطني: عطبٌ في الذاكرة الجماعية يجعلنا نلدغ من الجحر ذاته مراراً، وننسى مآسينا لنكررها بكل غباء.
البهايمر: ضبابية تعمي البصيرة وتساوي بين المثقف والأمي في الجهل، لتصبح القدرة على الإدراك معطّلة تماماً.
الجُعايمر: عصبية عمياء تحوّل الأنصار إلى أبواقٍ تصرخ بالدفاع المستميت عن الزعيم، مهما ارتكب من حماقات.
الحمايمر: وهو الداء العضال؛ تعصبٌ مذهبيٌّ مغلق يلغي العقل، ويستبدل الحوار بشعار «بالروح بالدم»، حتى ينقطع الإرسال مع المنطق.
هذا ليس مجرد نصّ ساخر، بل هو تشريحٌ لجثة واقعنا الأليم. ويبقى السؤال المعلق كالمشنقة: هل ما زال فينا رمقٌ للعلاج واستعادة الوعي، أم أن الوباء قد امتزج بجيناتنا وصار هو الهوية؟