بيروت - لبنان

اخر الأخبار

8 أيار 2026 12:10ص إسرائيل الكبرى بين أحلام التوسّع وواقع الجنوب اللبناني.. هل يتكرر سيناريو 1948؟

حجم الخط
منذ اندلاع المواجهات الأخيرة في جنوب لبنان، وما رافقها من احتلال لعدد من القرى الحدودية وتدمير واسع للمنازل والبنى التحتية، عاد إلى أذهان كثير من اللبنانيين مشهد فلسطين سنة 1948: قرى مدمّرة، سكان مهجّرون، ووقائع جديدة تُفرض بالقوة العسكرية على الأرض.
إسرائيل تعلن أن هدف عملياتها العسكرية هو حماية مستوطناتها الشمالية وإبعاد الخطر عنها. إلّا أن حجم الدمار الذي طال القرى اللبنانية الحدودية، وطبيعة العمليات العسكرية التي أدّت إلى تهجير السكان ومنع عودتهم، يطرحان تساؤلات تتجاوز الأهداف الأمنية المعلنة إلى مخاوف من مشروع أوسع يرتبط بالأحلام التوسعية الإسرائيلية القديمة، أو بما يُعرف تاريخياً بمفهوم «إسرائيل الكبرى».
فمنذ قيام دولة إسرائيل سنة 1948، لم يقتصر المشروع الصهيوني، في نظر كثير من الباحثين والمؤرخين، على حدود الدولة التي أُعلنت آنذاك، بل ارتبط أيضاً بأفكار ومشاريع توسعية ظهرت لدى بعض القيادات والتيارات الصهيونية منذ بدايات القرن العشرين. وقد برزت داخل القيادة الإسرائيلية، وخصوصاً لدى دافيد بن غوريون وبعض القادة العسكريين، طروحات تدعو إلى استغلال نتائج حرب 1948 لتوسيع حدود الدولة الجديدة نحو الضفة الغربية وربما إلى أجزاء من جنوب لبنان.
إلّا أن الظروف الدولية والإقليمية في ذلك الوقت حالت دون تحقيق هذه الطموحات. ففي ما يتعلق بالضفة الغربية، كانت العلاقة الوثيقة بين المملكة الأردنية الهاشمية وبريطانيا عاملاً أساسياً في منع إسرائيل من الذهاب بعيداً في مشروع الضم الكامل، إذ كانت لندن تعتبر استقرار الأردن جزءاً من مصالحها الاستراتيجية في المنطقة. كما أن الرأي العام الدولي، الخارج من أهوال الحرب العالمية الثانية، لم يكن مستعداً لتقبل توسّع إسرائيلي مفتوح يتجاوز حدود التقسيم والحرب.
أما جنوب لبنان، فقد بقي منذ تلك المرحلة ضمن دائرة الاهتمام الإسرائيلي، سواء لأسباب أمنية مرتبطة بالحدود الشمالية، أو بسبب الأهمية الاستراتيجية والمائية لمنطقة الليطاني. وقد ظهرت منذ مؤتمر باريس للسلام سنة 1919 مطالب صهيونية تدعو إلى جعل الحدود الشمالية لفلسطين تمتد حتى نهر الليطاني، إلّا أن تلك المطالب لم تلقَ قبولاً دولياً آنذاك.
لكن فشل هذه المشاريع في الأربعينات لا يعني أن الفكرة اختفت من الذهنية السياسية لبعض التيارات الإسرائيلية. فمفهوم «إسرائيل الكبرى» بقي حاضراً بدرجات متفاوتة داخل الفكر القومي والديني الإسرائيلي، وعاد للظهور بعد احتلال الضفة الغربية سنة 1967 وتصاعد نفوذ التيارات الاستيطانية والدينية المتشددة.
ومن هنا، يرى كثيرون أن ما يجري اليوم في جنوب لبنان لا يمكن فصله كلياً عن هذا السياق التاريخي. فالتدمير الواسع للقرى الحدودية، وإفراغها من سكانها، وتحويل أجزاء واسعة منها إلى مناطق غير قابلة للحياة، يعيد إلى الأذهان ما جرى في فلسطين سنة 1948، حين دُمّرت مئات القرى العربية وهُجّر سكانها ثم مُنعوا لاحقاً من العودة إلى بيوتهم وأراضيهم.
فالقرية التي تُهدم بيوتها، وتُدمّر بنيتها التحتية، وتُحرق أراضيها الزراعية، تصبح عملياً منطقة يصعب على أهلها العودة إليها، حتى لو توقفت العمليات العسكرية. وهذا ما يثير التساؤل: هل الهدف هو فقط تحقيق أمن عسكري مؤقت، أم خلق شريط حدودي فارغ من سكانه على المدى الطويل؟
لقد أثبت التاريخ أن السيطرة على الأرض لا تتم فقط عبر القوة العسكرية، بل أيضاً عبر تغيير الواقع السكاني عليها. فالأرض التي تُفرَّغ من أهلها تصبح أكثر قابلية لفرض ترتيبات سياسية وأمنية جديدة مع مرور الزمن. وهذا ما يجعل المخاوف اللبنانية اليوم تتجاوز حدود الحرب الحالية إلى القلق من تحولات استراتيجية بعيدة المدى.
والأخطر من ذلك أن استمرار هذا الواقع قد يدفع لبنان نحو مزيد من الانقسامات الداخلية والتوترات الطائفية والسياسية، في وقت يعاني فيه البلد أصلاً من أزمة اقتصادية ومؤسساتية عميقة. فهناك في لبنان من بدأ يتحدث عن مشاريع فدرالية أو تقسيمات مناطقية وطائفية كحل للأزمات المتراكمة، الأمر الذي يثير مخاوف من أن يؤدي إضعاف الجنوب وتهجير سكانه إلى فتح الباب أمام إعادة رسم التوازنات الداخلية اللبنانية.
إن ما يجري اليوم لا يمكن النظر إليه فقط كجولة عسكرية عابرة، بل كتحول قد تكون له انعكاسات بعيدة المدى على هوية الجنوب اللبناني ومستقبل لبنان كله. والتاريخ يعلمنا أن الوقائع التي تُفرض في زمن الحرب كثيراً ما تتحوّل لاحقاً إلى حقائق سياسية يصعب تغييرها.
ولهذا، فإن حماية الجنوب لا تعني فقط وقف العمليات العسكرية، بل أيضاً حماية حق الأهالي في العودة إلى قراهم، وإعادة إعمار ما تهدم، ومنع تحويل التهجير المؤقت إلى واقع دائم.
فهل يتكرر في جنوب لبنان ما حدث في فلسطين سنة 1948؟
وهل بقيت أحلام التوسّع التي طُرحت قبل عقود مجرد صفحات من التاريخ، أم أنها لا تزال حاضرة بأشكال وأساليب جديدة؟
إنه سؤال لم يعد نظرياً، بل أصبح هاجساً حقيقياً لدى كثير من اللبنانيين والعرب في ظل ما تشهده المنطقة من تحوّلات خطيرة ومتسارعة.