بيروت - لبنان

اخر الأخبار

13 أيار 2026 12:00ص الإصلاح السياسيّ بين إرادة الشعوب وعجز السلطة

حجم الخط
د. مهى محمّد مراد

إنّ السياسة ليست مجرّد صراع على السلطة أو تنافس بين القوى المختلفة، بل هي في جوهرها مسؤولية وطنية وأخلاقية تهدف إلى بناء الدولة وصون كرامة الإنسان وتحقيق الاستقرار والعدالة، وحين تمتلك الشعوب أهدافاً وطنية نبيلة، فإنّها تصبح أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وتجاوز الانقسامات، لأن الأوطان لا تنهض إلّا عندما يتحوّل الانتماء الوطني إلى مشروع عمل حقيقي يقوم على الوعي والإصلاح واحترام المؤسسات.
وبالتالي، فإن تحقيق الأهداف الوطنية لا يتمّ بالشعارات أو الخطابات المؤقتة، بل يحتاج إلى رؤية واضحة تؤمن بأن الدولة يجب أن تكون فوق المصالح الضيقة والانقسامات التقليدية، فالدولة القوية لا تُبنى بمنطق الغلبة أو النفوذ، وإنما من خلال مؤسسات دستورية عادلة، وإدارة نزيهة، ومشاركة شعبية واعية تدرك أنّ الإصلاح عمليّة طويلة تتطلب الصبر والإرادة، كما أنّ بناء الاقتصاد المنتج، وتعزيز استقلال القضاء، وتطوير التعليم، ومحاربة الفساد، كلها عناصر أساسية في أي مشروع وطني يسعى إلى حماية المجتمع وتأمين مستقبل أفضل للأجيال القادمة.
ومن هنا تظهر أهمية الفكر السياسي المتنوّر بوصفه ضرورة وطنية لا ترفاً فكرياً، فالمجتمعات التي تعيش أسيرة الانفعال والتعصّب تبقى عاجزة عن التقدّم، بينما تستطيع المجتمعات التي تعتمد العقل والحوار واحترام القانون أن تبنيَ مستقبلاً أكثر استقراراً وعدالة. 
إنّ الفكر السياسي المتنوّر يدعو إلى دولة مدنية تحترم التعددية، وتعتمد الكفاءة بدل المحسوبيات، وتؤمن بأنّ الحرية والمسؤولية وجهان متلازمان، كما أنه يرفض استغلال الخلافات لإثارة الانقسامات، ويعتبر أنّ الاختلاف في الرأي يجب أن يكون مصدر غنى لا سبباً للصراع.
غير أنّ المشكلة الكبرى التي تعاني منها كثيرٌ من الدول تكمن في وجود قيادات سياسية ما زالت أسيرة رواسب الماضي وعقلية الميليشيات والصراعات القديمة، فبعض الحكام والسياسيين لا يزالون يديرون الدولة بمنطق الخوف والهيمنة بدل منطق المؤسسات والقانون، الأمر الذي يؤدي إلى إضعاف الثقة بين المواطن والدولة، وإلى تعطيل الحياة السياسية الطبيعية، وانتشار الفساد والانقسامات.
إنّ الدولة الحديثة لا يمكن أن تُدار بعقلية الحرب أو الولاءات الضيقة، لأنّ الشعوب أصبحت أكثر وعياً بحقوقها وأكثر تطلّعاً إلى حكم يقوم على الشفافية والكفاءة والعدالة.
وفي مقابل هذا الواقع، يبقى السياسيّ الوطنيّ الشريف عنصراً أساسياً في أيّ عملية إصلاح حقيقية، فالوطن يحتاج إلى رجال دولة يضعون المصلحة العامة فوق مصالحهم الخاصة، ويؤمنون بأنّ السياسة رسالة لخدمة الناس لا وسيلة لتحقيق المكاسب الشخصية، والسياسيّ النزيه هو الذي يحترم الدستور، ويحافظ على المال العام، ويعمل على توحيد المجتمع، ويملك الشجاعة لاتخاذ القرارات الإصلاحية حتى عندما تكون صعبة أو غير شعبية، فالمجتمعات لا تفقد ثقتها بالسياسة بسبب وجود الخلافات، بل بسبب غياب الصدق والإخلاص والكفاءة عند من يتولون المسؤولية.
وفي ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تثقل حياة المواطنين، يصبح الرأي العام أمام تحديات كبيرة تتعلق بتأمين أبسط مقومات الحياة والاستقرار، غير أنّ مواجهة هذه الصعوبات لا تكون بالفوضى أو التحريض أو تقويض مؤسسات الدولة، بل من خلال تفعيل الآليات الدستورية والقانونية التي تسمح بالتغيير والإصلاح والمحاسبة. فالدستور يشكّل الضمانة الأساسية لتنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويمنح المواطنين الوسائل السلمية للتعبير عن مطالبهم والدفاع عن حقوقهم عبر الانتخابات الحرة، والقضاء المستقل، والرقابة البرلمانية، والإعلام المسؤول.
إنّ الأهداف السياسية الوطنية النبيلة لا يمكن أن تتحقق إلّا عندما تؤمن الشعوب بأنّ بناء الدولة مسؤولية جماعية، وأنّ المستقبل لا يصنعه الحقد والانقسام، بل يصنعه العقل والوعي والإرادة الوطنية الصادقة. فالأوطان التي تتقدّم هي تلك التي تنتصر لقيم العدالة والحرية والكفاءة، وتنجح في تحويل السياسة من أداة للصراع إلى وسيلة للبناء والإصلاح وتحقيق كرامة الإنسان.