بيروت - لبنان

اخر الأخبار

27 تشرين الأول 2025 12:10ص «الحريرية» إطار وطني إصلاحي.. بهاء الحريري يعلن قطيعة كاملة مع النظام الحالي

حجم الخط
في لحظة سياسية دقيقة يعيشها لبنان وسط عاصفة من التحوّلات الإقليمية، خرج بهاء رفيق الحريري بموقف يعيد رسم ملامح مشروعه الوطني، محدّدا وجهة جديدة لما يمكن اعتباره قطيعة سياسيةً شاملة مع مرحلة كاملة من الانهيار والارتهان. فالرجل لا يتحدث بلغة تقليدية أو شعاراتية، بل يقدّم رؤية استراتيجية تربط بين التحوّلات الكبرى في الشرق الأوسط وبين ضرورة إعادة تأسيس الدولة اللبنانية من الصفر، على قاعدة الإصلاح الجذري واستعادة السيادة وبناء مؤسسات قادرة على مواكبة الزمن لا الانكفاء أمامه.

• رسالة حاسمة بلغة صريحة

يستخدم الحريري لغة قاطعة، تنبذ المجاملات والمساومات. عباراته الحادّة من نوع «زمن المساومات انتهى» و«لبنان لن يُحكم بعقلية الفشل والفساد» تحمل أكثر من دلالة. فهي ليست مجرد نقد للطبقة السياسية، بل إعلان رفض شامل لمنظومة كاملة أثبتت عجزها. هذه اللغة المباشرة تمثّل خروجا واضحا عن الأسلوب التقليدي لتكشف عن إرادة صادمة يراها بهاء ضرورية لكسر حلقة الجمود وإعادة تعريف موقع الحريرية في المشهد اللبناني.

• توقيت مدروس في لحظة تحوّل

أهمية الموقف لا تنبع من لغته فحسب، بل من توقيته أيضا. فالشرق الأوسط يعيش اليوم تحوّلات بنيوية كبرى، إعادة رسم التحالفات بعد حروب غزة واليمن والسودان، وتبدّل موازين القوى بين واشنطن وطهران، وتراجع نفوذ القوى المحلية التي بنت شرعيتها على ارتباطات خارجية.
في هذا السياق، يسعى الحريري إلى استعادة «لبنان العربي» من تحت أنقاض الانقسامات، مستندا إلى إرث والده رفيق الحريري، لكن برؤية مغايرة وأكثر حدّة.
هو لا يريد استعادة الماضي، بل تصحيحه، ولا يسعى إلى العودة إلى السلطة بقدر ما يطرح مشروعا لإعادة بناء الدولة على أسسٍ جديدة.

• بين النقد والمشروع

يضع بهاء الحريري إصبعه على جرح الدولة اللبنانية حين يصف النظام السياسي بأنه «مهترئ» والطبقة الحاكمة بأنها «عاجزة وفاسدة». هذه ليست توصيفاتٍ إنشائية، بل تشخيص سياسي كامل لمرض الدولة. فالدعوة إلى «تغيير جذري في البنية السياسية» تعبّر عن قناعة بأن الإصلاح من داخل النظام لم يعد ممكنا، وأن المطلوب هو قطيعة تامة مع منظومة أوصلت البلاد إلى الانهيار المالي والإداري والأخلاقي.
لكن الرجل لا يكتفي بالنقد، بل يعيد تعريف «الحريرية السياسية» كإطار وطني إصلاحي، خالٍ من رموز السلطة التقليدية التي التصقت بالاسم بعد اغتيال والده. فهي عنده «نهج وطني معتدل، ورؤية إصلاحية شاملة، وعلاقات عربية ودولية راسخة». بكلام آخر، هو يسعى إلى إعادة تقديمها كمشروع دولة، لا كتيارٍ عائلي أو سياسي محدود.

• القطيعة مع الماضي القريب

العبارة الأبرز في البيان الصادر عن بهاء الحريري هي تأكيده أن المرحلة المقبلة «لن تكون امتدادا لما قبلها». هذه الجملة تختصر الفلسفة الكاملة للموقف. فهو لا يدعو إلى إصلاح تدريجي أو ترقيعي، بل إلى قطيعة كاملة مع النظام القائم، معتبرا إياه أصل الانهيار.
بهذا المعنى، يلتقي خطابه مع المزاج الشعبي العام الذي ضاق ذرعا بالطبقة السياسية ويبحث عن بديل وطني جامع. مشروعه، كما يظهر من البيان، هو «مشروع الدولة لا الزعيم»، في مقابل ثقافة الزعامات التي حكمت لبنان لعقود طويلة.

• العمق العربي والدولي

في حديثه عن لبنان والتحوّلات الإقليمية، يستند الحريري إلى قراءة دقيقة لواقعٍ متبدّل. فالمعادلات القديمة لم تعد قائمة؛ سوريا من خلال استعاده هويتها التاريخية استعادت دورها المركزي الإقليمي في المنطقه العربية، النفوذ الإيراني يواجه حدود قوّته، والغرب لم يعد مهتمًّا بإدارة التفاصيل اللبنانية كما في السابق.
من هنا، يسعى الحريري إلى تقديم مشروعه كجسر توازن بين العروبة والانفتاح على العالم، في مقابل محور الممانعة الذي استنزف لبنان في حروب وصراعات لا طائل منها.
وتأتي رسالته منسجمة مع التحوّل في الموقف العربي العام، حيث لم تعد المساعدات تُمنح مجاناً، بل تُربط بالإصلاح والشفافية والسيادة الفعلية للدولة.

• لبننة القرار

يصرّ بهاء الحريري على أن استعادة السيادة الوطنية هي الشرط الأول لأي نهضة لبنانية. فعبارته «لبنان الجديد لن يقوم إلّا على أسس الشفافية والسيادة والكفاءة» تختزل رؤية دولة المؤسسات لا دولة المحاور. وهو بذلك يواجه مباشرة قوى الأمر الواقع التي بنت نفوذها على الارتباط بالخارج، مؤكدا أن الطريق إلى ثقة العالم يمرّ عبر بناء الداخل لا عبر التسويات الطائفية أو الصفقات الظرفية.

• ما بين التحذير والوعد

يمكن قراءة موقف بهاء الحريري كتحذير بقدر ما هو وعد. تحذير من استمرار الفشل والانهيار، ووعد ببديل عقلاني وطني. لكنه أيضاً امتحان حقيقي لجدّية القوى الإصلاحية في لبنان؛ هل هي قادرة على الالتفاف حول رؤية مشتركة؟ أم أن الانقسام سيُعيد إنتاج القديم في ثوب جديد؟
مما لا شك فيه أن هذا الموقف المتقدم والخارج عن كل السياق السياسي منذ عقود من الزمن، يعيد تحريك المياه الراكدة في المشهد السياسي اللبناني. فبعد سنوات من التراجع والانسحاب، يفتح موقف بهاء الحريري الباب مجدّداً أمام النقاش حول دور الاعتدال الوطني، وحول معنى السيادة في زمن التحوّلات الكبرى.
قد يختلف المراقبون في تقدير فرص نجاح مشروعه، لكنهم يتفقون على أن الرجل طرح ما لم يجرؤ كثيرون على قوله: أن لبنان لم يعد يحتمل الترميم، بل يحتاج إلى إعادة بناء كاملة.
وفي بلدٍ يختنق بالانقسامات، قد تكون الجملة التي ختم بها بيانه «زمن المساومات انتهى، وزمن المسؤولية الوطنية بدأ» أكثر من شعار. إنها دعوة إلى صحوة وطنية، وإلى أن يُعاد تعريف السياسة في لبنان، لا كفنٍ للبقاء في السلطة، بل كمسؤولية لبناء وطن يستحق الحياة.