أسّست دولة إيران إستراتيجيتها، على وحدة الساحات، وعلى الأذرع الطويلة، أنابت عنها، وجعلتها تتماسك حول عقيدة سياسية واحدة: «الصمود والتصدّي». إختارت لها بذلك أن تنضم إلى محور «الصمود والممانعة»، والذي كان يدور في فلك دول البريكس. وأول تجربة كانت لها على الأرض: السابع من أكتوبر 2023 في غزة. وهو تاريخ لا ينسى بسهولة، لأنه كان أهون على حماس أن تسلّم الأرض وأن تظل على السلاح. ناور المحور الأميركي - الإسرائيلي على تسليم السلاح، بعد أن تسلّم الأرض، وأنشأ هيئة سلام غزة. فكانت حماس - الذراع، أول الأطراف التي خرجت من الحرب، وتركت الساحة والناس مفتوحة على شتى الاحتمالات.
وفي اليمن، كان صمت الحوثيين عن الحرب، قد أخذ يرين، بعد تلقّيه الضربات الكاسرة والماحقة: التي دمّرت مدن الحوثيين والعاصمة والمرفأ والمطار والبنى التحتية، دون أن تبقي أو تذر، فإنصاع الحوثيون في اليمن للخروج من المعركة: صمت الصاروخ وصمت الملثم، وما عاد لهما شأن في حرب إيران وإسرائيل وأميركا على غزة، وأصيبت الحوثية السياسية في مقتلها.
وقاد الجولاني حرب الإنتقام على النظام ودولة الفلول في سوريا، وخرج الأسد في منتصف الليل، يحمل على كتف خروقه وخروق العائلة، وعلى الكتف الأخرى الأموال المنهوبة التي نزحها من الخزينة، وترك الجيش والبلاد على الأرض، وترك الخزينة فارغة. فتسلّم الجولاني البلاد ومقاليد الحكم في اليوم التالي، وأصبح بين ليلة وضحاها: سيادة الأخ الرئيس أحمد الشرع، وأعلنت سوريا الخروج من الساحة ومن محور الممانعة بكل بساطة، فخرجت بذلك من بيت الطاعة.
وأما «الحشد» في العراق، فوقع بين فكّي كماشة: السيستاني والنظام. وصارت الضربات تلاحقه من كل الاتجاهات. وما عاد صوته يصل إلى أذنه، فهو بالكاد يخرج من فمه، متلعثما بريقه، متعثّرا بثوبه، متعفّرا بغبار الساحة.
وحده حزب الله في لبنان، تموضع في بيئته الحاضنة، كانت صادقة معه، وكان صادقا مع نفسه، تماما مثلما كان صادقا معها.
واجه «حزب الله» معركة شرسة وقاسية، بعد مصرع قادته، وبعد «وقعة البيجر»، وبعد «وقعة السيد»: الأمين العام والقائد التاريخي لحزب الله. وافق على الخروج من المعركة بوقف الأعمال العدائية، وأبقى في نفسه الباب مواربا، لإحتمال العودة إلى الساحة. فما صرح في يومه: بوقف الأعمال العدائية بصورة نهائية، ولا أقرّت ولا وقّعت إسرائيل على خروجها من لبنان بصورة نهائية، جعلت الباب مفتوحا: على «قاعدة مزارع شبعا».
صمت حزب الله سنة ونصف، ثم نطق حربا بكل قوة: كان يساند إيران في معركتها مع أميركا وإسرائيل، هذه المرة.
يذوق حزب الله كل يوم مرارة الحرب، ولا نظن أن أحدا لا يعرف طعم هذة المرارة الشديدة المرورة بل الحاذقة: خرج الأهل بأثوابهم الليلية من كل الضاحية، ومن كل القرى، ومن كل المآمن التي آمنوا فيها بصفارة، ولم يعد لهم مأمن إلّا في العراء، يهربون من النار من زاوية إلى زاوية.
يعرف ذلك القادة والشهداء الأحياء في حزب الله أكثر من جميع الناس، وهذا ما يحرجهم أمام جمهورهم الذي رهن «ذهبه وذهابه ومذهبه» لهم، ولا ينفك عن الصياح مع الديرة في الصباح وفي المساء: نشهد أننا لازلنا معكم على العهد، وأنا لكم، ولو في العراء: نحن لكم دوما أينما كنا، بل أينما وضعتمونا: البيئة الحاضنة.
إيران اليوم تشهد أعظم حرب عالمية على تشدّدها، وهي لا تزال ماضية في تشدّدها دون هوادة: قتلوا خامنئي، فقام في وجههم مجتبى خامنئي، وما بدّلوا تبديلا، وظلوا على عهدهم: ثورة وصمودا وممانعة. أشهدوا الملأ على ذلك، فشهد معها «حزب الله» وحده دون العالمين: يصيح في وجوه الناس جميعا: «والله على ما نقول شهيدا».
خروج محرج، هو خروج حزب الله من عباءة إيران، من عباءة الإمامة، من عباءة العقيدة: الولي الفقيه على منعطف الساحات بالمرصاد، والحساب ما بعده حساب، لأنه من أصول العقيدة.
ذهبت الضاحية، يردّ الشيخ نعيم قاسم: إنها ستعود أحسن مما كانت. وذهبت قرى الجنوب، يردّ الشيخ نعيم قاسم: سنبنيها أجمل مما كانت. وذهبت أعمار الشهداء: يردّ الشيخ نعيم قاسم: أبناؤنا لهم الجنة، هم فيها خالدون. فماذا بعد.. ألا تستحوا: «أتهدّدوننا بالركبة».
حقا: خروج محرج خروج حزب الله، من بيئة المقاومة. تعالوا نخيّط معا ثوبا جديدا لا مرقّعا، على طريقة الترقيع في الطائف. حللنا الميليشيات، ثم لم نلبث أن صرنا في دولتها.
إذن: «غيّروا المسلة».
الميليشيات غير قابلة للإسترداد، وغير صالحة للعمل. يقول سارتر في «الأيدي القذرة»:
«لا تخافي يا أولغا... ينبغي أن تصمتي دقيقة واحدة، حتى أنظّم أفكاري.
إذن أنا قابل للإسترداد، صالح للعمل. حسنا جدا. ولكن وحدي. هكذا عاريا، من غير حقائب. شريطة أن أبدّل جلدي. وإذا كان بالإمكان أن أفقد ذاكرتي، كان هذا أفضل. أما الجريمة فلا تسترد.. ستترك حيث هي في سلة القاذورات».
* أستاذ في الجامعة اللبنانية