بيروت - لبنان

اخر الأخبار

13 أيار 2026 12:05ص الدولة العميقة Deep State

حجم الخط
يُعتبر موضوع الدولة العميقة من أبرز المواضيع الضاربة والذي فرض نفسه في الآونة الأخيرة بسبب أهميته وتأثيره على الرأي العام.
يمكن أن نحدّد الدولة العميقة بأنها مجموعة تعمل بسريّة وتخطّط من أجل الوصول إلى أهداف سياسية ومن أهمّها اكتساب السلطة والنفوذ في المجال السياسي.
يعود مفهوم الدولة العميقة في أصوله التاريخيّة الى العام 1776 تاريخ تأسيس الولايات المتحدة الأميركية التي اعتمدت نظام المغانم حيث تبلورت معالمه في العام 1820 في عهد الرئيس Andrew Jackson عندما تعالت أصوات داعميه منادين «بأن المنتصر يحصل على المغانم» أي ما يُسمّى بالمحسوبية والزبائنية السياسية في الوظائف. فأصبح الرؤساء يوزّعون الوظائف والمناصب الإدارية إلى الذين ساعدوهم في ربح الانتخابات. وتعتبر بعض الأبحاث أن هذه الفئة من الذين حصلوا على الوظائف الإدارية والعسكرية هم في أساس مفهوم الدولة العميقة وهكذا كانت بمثابة نواة لها.
تحدّثت بعض المصادر بشكل لافت عن وجود الدولة العميقة في تركيا وباكستان حيث عمدت فئة من العسكريين إلى القيام بتدخّلات عسكرية بهدف الحفاظ على مصالحها ونخصّ بالذكر السلطة العسكرية في تركيا التي ضغطت سياسياً وعملياً من أجل الحفاظ على علمانية الدولة.
لقد تعدّدت تسميات ونعوت الدولة العميقة لتشمل توصيفات متنوّعة كالحكومة الخفيّة وحكومة الظّل كما وُصفت أيضاً بالبيروقراطية المؤلفة من موظفين حكوميين ومسؤولين في مختلف القطاعات الرسمية والعامة.

• طبيعة الدولة العميقة:

إنها أولاً غير مُنتخبة ديمقراطياً بل معيّنة وهي عالية السرّية وتعمل في الخفاء وحيث أنها غير منتخبة وسريّة فهي حكماً غير خاضعة للمحاسبة والمساءلة. ويُستنتج من ذلك أنها تعمل ضدّ المؤسسات المنتخبة ديمقراطياً وتُنافسها. وأشارت بعض المعلومات إلى أنه في عهد الرئيسين فرانكلين وروزفلت وترومان هدفت الدولة العميقة وعلى الأخص البيروقراطية إلى تقويض النظام الرأسمالي الحرّ، ويبدو أن أنصار التيار اليساري هم أول من رحّب بهذا التصوّر وتغلغلوا في مختلف المؤسسات والدوائر الإدارية والعسكرية.
لقد وصف الأكاديمي الأميركي Jon D. Michaels الدولة العميقة بأنها «مؤسسة شيطانية تعمل كمراقب أساسي على السلطة». ورأى آخرون أنها تحالف للوكالات الأمنية وجماعات الضغط والمتعهدين Contractors من أجل إجراء الرقابة على السياسة العامة.

• عناصر الدولة العميقة:

تتكوّن عناصر الدولة العميقة من القوى والهيئات الفاعلة والقادرة على التأثير على الرأي العام وعلى الضغط على السلطات التنفيذية أو التشريعية بهدف فرملة أو تغيير أي خطط أو اتجاهات سياسية لا تتلاءم مع مصالحها.
ونذكر من هذا العناصر على سبيل المثال الوكالات المخابراتية والمؤسسات الأمنية ووسائل الإعلام ومجمّعات صناعة الأسلحة والقطاعات الاقتصادية والمالية الكبرى و «المنظمات والمحافل ذات أسرار « إضافة إلى البيروقراطية وهي شبكة كبيرة من الموظفين الثابتين والقضاة. ويؤكد بعض المحللّين أن هؤلاء الموظفين هم غير متحزّبين رسمياً.

• تطوّر مفهوم الدولة العميقة:

ارتكز المفهوم التقليدي للدولة العميقة في الولايات المتحدة على الوكالات والهيئات الإدارية المسؤولة عن تنفيذ القوانين وبرامج الرفاهية والرعاية الصحيّة ومحاربة الجريمة والدفاع عن الوطن سواء كانت محلّية أم فدرالية وهي تعمل بعيداً عن القادة السياسيين المنتخبين. إن هدف هذه الفئة من هو فرملة وعرقلة سياسة السلطة التنفيذية في حال تخطّت الحدود أو المألوف وعلى الأخص إذا كانت غير قانونية أو غير علمية أو غير ملائمة وفقاً لمفاهيمها.
ولقد تطوّر مفهوم الدولة العميقة القائم على البيروقراطية التقليديّة المتمايز بالنخبة الثقافية والإدارية لكي يشمل أصحاب الملايين من الصناعيين والاقتصاديين ومنهم من أصبح أعضاءً في مجلس الممثّلين ومجلس الشيوخ. كما ضمّ البارزين في المجتمع الأميركي والذين يعشقون الأضواء. ولقد توسّعت هذه المروحة لكي تشمل شركات صناعة الأسلحة ووسائل الإعلام والوكالات الاستخباراتية وWall Street وSilicon Valley إضافة إلى العديد من مجموعات الضغط.

• وسائل عمل الدولة العميقة:

• الواضح أنه من أهم أهداف العناصر والأشخاص الذين يؤلفون أركان الدولة العميقة العمل على إضعاف السلطات السياسية المنتخبة وعرقلة برامجها بما يتلاءم مع مصالحهم وذلك عبر الوسائل الآتية:
• إضعاف وتشويه سمعة القنوات والمؤسسات الرسمية بواسطة نشر الأخبار الكاذبة في الإعلام والتواصل الاجتماعي.
• الحثّ على التحقيق في الحملات الانتخابية والشكّ في صحّة نتائجها.
• التنصّت على المكالمات الهاتفية وتسريب مضامينها مهما كانت شائنة ومهينة إلى الرأي العام.
• توظيف DATA والمعلومات التي تمتلكها الدولة العميقة لإلحاق الضرر بأي هيئة سياسية.
• تدخّل الأجهزة الأمنية والمخابراتية في السياسة بشكل يتجاوز دورها المفترض ليصبح موازياً لدور السلطة التنفيذيّة.
• تبنّي أجهزة المخابرات شبكات نفوذ اقتصادية ومالية وأمنية ممّا يعزّز قدرتها على عرقلة قرارات الحكومة أو إسقاطها.
• استغلال تسريب المعلومات السريّة والسلوكيات الخاصة للضغط على الحكام وابتزازهم مثل كشف تناقضات ومغالطات وفضائح.
• التنسيق مع حلفاء دوليين بهدف الضغط على الحكومة المحليّة ودعم توجّه مخالف لسياسة السلطة التنفيذيّة.
• عندما يشعر أركان الدولة العميقة بأي تهديد جدّي لمصالحهم فإنهم يعمدون إلى جميع وسائل الضغط للحفاظ على وجودهم.
في المحصلة لا بدّ من الإشارة الى التعقيبات التالية:
• إن مفهوم الدولة العميقة مرتبط بتوازن القوى بين السطات المنتخبة والجماعات المنافسة لها التي تمتلك قوة التأثير عليها وعلى الرأي العام وإن الطرف الأقوى هو القادر على فرض إرادته.
• في العام 2017 أجرت BBC News إستطلاعاً للرأي العام أظهر أن الشعب الأميركي يميل الى الإعتقاد بأن الدولة العميقة تضمّ مسؤولين عسكريين ومخابراتيين وحكوميين يعملون بسريّة للتلاعب بسياسة الحكومة. في حين رأى آخرون أنها كيان هجين مؤلف من مؤسسات خاصة وحكومية تتمتّع بالنفوذ السياسي وهي مرتبطة ظاهرياً بالدولة وتحت رقابتها الجزئية.
• إن الدولة العميقة هي نخبة إدارية تصاعدت قوّتها وهي تمارس عملها بصورة خفيّة وتزرع عناصرها في جميع طيّات المجتمع الأميركي لكي تحمي نفسها من خطر الحدّ من تأثيرها.
• كتب الفيلسوف الأميركي James Burnham في العام 1941 أن التطّور السياسي العظيم في هذا العصر ليس الصراع بين الشيوعية والرأسمالية بل هو نشوء الطبقة البيروقراطية التي اكتسبت السيطرة والنفوذ في مجالات الاعمال والمال وفي الحركات النقابية والأجهزة الحكومية.
• برز رأي لافت ومميّز للكاتب السياسي الأميركي والمعروف Francis Fukuyama يؤيد دور الدولة العميقة إذ قال إنها مجموعة موظفين حكوميين دائمين مهنيين واحترافيين مستقلّين وغير حزبيين وهم يشكلون نقطة قوة تستلزم أن نحترمها وندافع عنها وأن نطوّرها وليس أن نحطّ من قدرها أو تسييسها.
وختاماً ينبغي الإشارة إلى أن مجمل ما ورد أعلاه ينطبق على الساحة اللبنانية وبكلمة مختصرة نقول أن الدولة العميقة تتمثّل في لبنان في تصاعد دور كلّ من الأجهزة الأمنية والمخابراتية والمجموعات المسلحة ووسائل الإعلام ورجال الدين ومالكي المصارف وكارتيلات المال ولا ننسى قادة الأحزاب السياسية الذين لم يَخفتْ صوتهم ولا يزال نورهم ساطعاً.

* دكتور في القانون العام