د. رشا أبو حيدر
في الدول التي تبدو فيها السلطة واضحة المعالم، غالباً ما تكون الحقيقة أكثر تعقيداً مما يظهر على السطح؛ إذ تختبئ خلف المؤسسات الرسمية شبكات نفوذ غير مرئية تتحكم بمسار القرار وتعيد تشكيله بما يخدم مصالحها. من هنا برز مفهوم «الدولة العميقة» كمفتاح لفهم ما لا يُقال في السياسة، وما لا تعكسه النصوص الدستورية. غير أن هذا المفهوم، على وضوحه النظري، يكتسب طابعاً أكثر تشابكاً حين يُسقط على الحالة اللبنانية.
يُستخدم مصطلح «الدولة العميقة» لوصف تلك الشبكات غير المرئية التي تتحكم بمفاصل القرار داخل الدولة، بعيداً عن الأطر الدستورية والمؤسسات الرسمية. وغالباً ما يُشار إليه بوصفه قوة خفية تمتلك القدرة على توجيه السياسات أو تعطيلها وفق مصالحها، حتى في ظل وجود سلطات منتخبة.
في الدول ذات الأنظمة المركزية، قد تتجسّد «الدولة العميقة» في مؤسسات محددة كالأجهزة الأمنية أو العسكرية أو البيروقراطية الصلبة. أما في لبنان، فالمشهد مختلف تماماً. لا توجد «دولة عميقة» واحدة متماسكة، بل تتوزع مراكز النفوذ بين قوى سياسية وطائفية واقتصادية، تتداخل مصالحها وتتنافس أحياناً، لكنها تلتقي في الحفاظ على بنية النظام القائم.
منذ نشأة الدولة اللبنانية، ارتبطت السلطة بتوازنات دقيقة بين الطوائف، ما أدّى إلى نشوء نظام سياسي يقوم على المحاصصة. هذا النظام، وإن كان يهدف نظرياً إلى تحقيق الاستقرار، إلّا أنه أفرز مع الوقت شبكات نفوذ متغلغلة داخل مؤسسات الدولة. فأصبحت الإدارات العامة، في كثير من الأحيان، خاضعة لاعتبارات الولاء السياسي بدلاً من الكفاءة، وتحوّلت بعض المؤسسات إلى أدوات بيد قوى معينة.
هنا يظهر شكل خاص من «الدولة العميقة»، لا يقوم على مؤسسة واحدة قوية، بل على تعددية في مراكز القوة. لكل طرف «مساحته» داخل الدولة، سواء في الإدارة أو الأمن أو الاقتصاد، ما يجعل القرار السياسي نتيجة توازنات معقّدة، لا تعكس دائماً الإرادة الشعبية بقدر ما تعبّر عن تسويات بين هذه القوى.
ومن أجل توضيح هذا الواقع بشكل ملموس، يمكن الإشارة إلى بعض الممارسات التي تعكس حضور هذه الشبكات داخل الدولة. فعلى صعيد الإدارة العامة، غالباً ما تخضع التعيينات لمبدأ المحاصصة الطائفية والسياسية، حيث تُقدَّم الاعتبارات السياسية على الكفاءة، ما يؤدي إلى ترسيخ الولاءات داخل المؤسسات بدل تعزيز حياديتها. وفي المجال الأمني، يظهر أحياناً تداخل بين القرار الرسمي والتوازنات السياسية، بحيث تصبح بعض الأجهزة عرضة لضغوط تتجاوز دورها المؤسساتي. أما في الجانب الاقتصادي، فتبرز العلاقة الوثيقة بين بعض مراكز القرار السياسي والقطاع المالي، وهو ما تجلّى خلال الأزمة المالية، حيث بدت حماية مصالح معينة متقدمة على حساب المصلحة العامة. كما يمكن ملاحظة هذا الواقع في قدرة بعض القوى على تعطيل استحقاقات دستورية لفترات طويلة بانتظار تسويات، ما يعكس أن القرار لا يُحسم دائماً داخل المؤسسات الرسمية.
لكن من المهم الإشارة إلى أن استخدام مصطلح «الدولة العميقة» في لبنان يجب أن يتم بحذر. فليس كل خلل في الأداء السياسي ناتجاً عن وجود قوة خفية منظّمة، بل هو في كثير من الأحيان نتيجة بنيوية لنظام يقوم أساساً على التوازنات الطائفية والتسويات الدائمة. أي أن المشكلة ليست فقط في «عمق الدولة»، بل في شكلها وتركيبتها.
وفي الخلاصة، لا يمكن فهم الواقع اللبناني من خلال البحث عن «فاعل خفي» واحد يتحكم بكل شيء، بل عبر إدراك شبكة معقدة من القوى التي تتقاسم النفوذ داخل الدولة وتعيد إنتاج نفسها باستمرار. إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في كشف هذه الشبكات، بل في القدرة على تفكيكها ضمن مشروع وطني جامع يعيد الاعتبار لمفهوم الدولة كمؤسسة جامعة لا كساحة تقاطع للمصالح. فلبنان لا يحتاج إلى مواجهة «دولة عميقة» بقدر ما يحتاج إلى بناء دولة حقيقية، تكون فيها السلطة شفافة، والمساءلة ممكنة، والقرار نابعاً من المصلحة العامة لا من توازنات النفوذ.