د. جيرار ديب
أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، السبت 15 نيسان، خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض، أن المشتبه به في حادث إطلاق النار بحفل عشاء مراسلي البيت الأبيض، كان بحوزته أسلحة عدة وهاجم عناصر الأمن قبل أن يتم توقيفه.
وأوضح ترامب أن المهاجم من ولاية كاليفورنيا، واصفاً إياه بـ«المريض»، داعياً في الوقت نفسه الأميركيين إلى «الوحدة وحل الخلافات بالطرق السلمية».
هذا وكان قد حصل إطلاق نار مفاجئ هزّ أورقة الحفل السنوي لجمعية مراسلي البيت الأبيض، في فندق واشنطن هيلتون، ما استدعى تدخّل عناصر الخدمة السرية التي سارعت إلى إخلاء ترامب وزوجته، ميلانا ترامب، إلى جانب نائب الرئيس، جي دي فاس، وعدد من كبار المسؤولين وسط حالة من الذعر دفعت الحضور إلى الاحتماء تحت الطاولات.
هي المرة الثانية التي يتعرّض الرئيس ترامب إلى مثل تلك المحاولات، والتي تعتبر محاولات «مجهولة الهوية»، رغم تحديد هوية الفاعل، إلّا أنّ الدوافع تبقى رهن التحقيقات إن لم نقل التكهنات. إذ حسناً فعل ترامب عندما وجّه دعوته إلى الداخل الأميركي، محفّزاً إياهم على «الوحدة»، ومشدّداً على إن الخلافات تحلّ بـ«الطرق السلمية». هذا قد يجد فيه استثماراً انتخابياً ناجحاً أكثر من تلبيس الحدث إلى اعداء واشنطن، أي النظام في إيران، إذ كان سيواجه انتقادات لاذعة من الداخل تتركّز على مقدرة النظام في التخطيط والتنفيذ هو الذي لا يتردد في كافة كلماته على التأكيد على تدمير إيران وإضعاف قدراتها.
نجا ترامب في 13 تموز عام 2024 من محاولة اغتيال أثناء إلقائه خطاباً في تجمع انتخابي بالقرب من بتلر، بنسلفانيا، وأصيب برصاصة في الجزء العلوي من أذنه اليمنى من قبل توماس ماثيو كروكس. كما في المحاولة الأولى كذلك في الثانية حيث اعتمد طريقة التضليل في رمي الاتهام، إذ يجيد رجل الأعمال الناجح ترامب الاستثمار في كلّ مرة يتعرض لها إلى مثل هكذا محاولات، حيث يوجه مباشرة الاتهام إلى إيران والنظام الحاكم فيها، قبل أن يخاطب الرأي العام الناخب الأميركي بلغة أقرب إلى رجل سلام وحوار وانفتاح. علماً إن من يتابع تصريحاته تجاه الديمقراطيين باتهامهم في إضعاف صورة أميركا، ومن يشاهد ممارسات عناصر وكالة الهجرة في اعتقالات وقمع وترحيل للمهاجرين بأمر تنفيذي من ترامب مباشر، وينصت إلى تلك الجدلية غير المستحبة بينه وبين بابا روما، ليون الرابع عشر، حول الحرب والسلام، يجد أن الأرضية الأميركية جدّ خصبة للدفع بالبعض إلى تنفيذ مثل هكذا محاولات.
لا يوفر ترامب حدثاً كهذا يطاله بالشخصي لتجييره نصراً انتخابياً، حيث في المحاولة الأولى كان الرجل يلقي خطاباً انتخابياً أمام حشود ناخبة، وإن فرصة إعادة انتخابه بعد خروجه من البيت الأبيض في ولايته الأولى ضعيفة، وتحتاج إلى تلك الصورة «السوريالية» من أجل إظهاره رئيساً لا يخشى الموت في سبيل جعل أميركا عظيمة. لهذا استطاع التأثير في الرأي العام الناخب المصنّف محايداً، على اعتبار أنّ المرشح الديمقراطي، كامالا هاريس، كانت جزءً من الإدارة المنهكة التي قادها رجل منهك، جو بايدن، ما دفعت به تلك الصورة التي تجسّد ترامب رافعاً قبضته والدم الذي يسيل على وجهه، لحسم خيار صوته لصالح البطل المنقذ.
لا نقاش في أن الإدارة الأميركية تحتاج إلى صورة اغتيالية سوريالية شبيها بالسابقة، لا سيما وإن الناخب الأميركي يقف اليوم قاب قوسين من الانتخابات النصفية التي من المفترض إجرائها في تشرين الثاني المقبل. إن نتائج تلك الانتخابات ذات دلالات مهمة لرسم صورة القرارات الرئاسية للنصف الثاني من ولاية ترامب. يحتاجها في ظلّ عجز ترامب عن تقديم محاكاة النصر في الحرب الإيرانية، فإدارته لم تستطع، رغم الضربات العسكرية، أخذ إيران إلى طاولة المفاوضات، لا بل لم تستطع رغم السقف العالي من رفع التهديدات فتح مضيق هرمز، كي لا يصبح ذلك الرئيس المكبل اليدين.
لن ندخل في جدلية المنتصر والمهزوم بالشأن الإيراني، خصوصاً وإن كافة السيناريوهات مفتوحة تحديداً العودة إلى الحرب. لكنّ ما يجب التوقف عنده هي دعوة ترامب الداخل الأميركي إلى الحوار واتباع الطرق السلمية، تبقى هي الصورة الأبرز له كي يعيد ترتيب أوراقه الانتخابية الداخلية. دعوة ليست عبثية، ولكنها تحتاج إلى خطوات عملانية، أي قرارات تنفيذية تفرمل سابقاتها، منها تقييد صلاحيات عناصر وكالة الهجرة والجمارك الأميركية من ناحية طريقة تنفيذ الاعتقالات أو ما شابه، فهل سينجح الاستثمار في المحاولة الثانية لحصد المقاعد في مجلسي الشيوخ والنواب؟