بيروت - لبنان

اخر الأخبار

18 حزيران 2026 12:00ص الديمقراطية في الميزان

حجم الخط
كنا نفتخر دائماً، كما في الزجل، بأنّنا البلد الوحيد في دنيا العرب الذي تجد فيه رئيساً سابقاً ليس في السجن، أو لم يمت مقتولاً. أو ليس في المنفى صحيح، إنّما غير دقيق، فقد قتل عندنا، رئيسا جمهورية، ورئيس حكومة، وهم في السلطة.
أما عن السجن. فدعك من قانون محاسبة الرؤساء الذي دفن فور ولادته. كم من رئيس استدعيَ للقضاء بعد إنتهاء ولايته، لمحاسبته، أو فقط لسؤاله عن الانتهاكات، أو الاختلاسات التي حصلت، أثناء ولايته؟ الجواب لا أحد. إذن هل هذا موضوع افتخار يسجله لنا التاريخ؟ حتماً لا. فكفى زجلاً ودجلاً وجدلاً.
أما عن الديمقراطية التي هي حكم الشعب فمتى حكم الشعب إلّا من خلال « سوقه» إلى صناديق الإقتراع، من قِبل طبقة، سياسية، فاسدة. بعد رشوته، ببضعة دنانير، وتحريك غرائزه الطائفية، المذهبية وبعد تفصيل قوانين انتخاب على القياس والضغط والإكراه والإغراء، والتزوير الواضح ودون خوف أو دجل، مع أنّ التزوير لو كان لرخصة سوق، يدخل صاحبه السجن، ويشكّلُ جناية إستناداً لقانون العقوبات اللبناني طبعاً.
ديمقراطية، كفى تعدّياً على هذه الكلمة التي لم تدخل يوماً في قاموسنا. انما تتصدر خطاباتنا وبياناتنا وتصريحاتنا. في محاضرة لي على أثر الربيع العربي ألقيتها في منزل السفير الكوري في اليرزة على سفراء الدولة الأسيوية، يعني الصين واليابان والهند و.. و.. و.. وهم يمثلون أكثر من نصف العالم، سُئلتُ عن الديمقراطية في لبنان، فأجبت بإختصار الديمقراطية في لبنان يا سادتي.. هي شرشف مطرز رائع الحبك، والقماش والألوان COUVRE LIT تحته تجد فراشاً مهترئاً يقطنه العفن، والطائفية والمذهبية والفساد والإرتهان للخارج و.. و.. و.. إن تركته مصيبة، وإن كشفته المصيبة الأعظم.
عندما انتهت الحرب أوكلنا السلام والأمن إلى أمراء الحرب. واليوم بعد الإنهيار الاقتصادي والمصرفي، ترانا نوكل أمر خلاصنا إلى اللصوص، فأية نتيجة ترتجي؟
في الثمانينات عند إنهيار الليرة للمرة الأولى فكر الجهابذة من الحكام، والسياسيين، بيع الذهب «9 ملايين أونصه» وكاد ذلك أن يحصل باقتراح من وزير المالية، وموافقة مجلس الوزراء، لولا أنّه كان هنالك في ذلك الحين رئيساً لمجلس النواب اسمه السيد حسين الحسيني، الذي وُفّقَ بسنِّ قانون يقضي بعدم بيع الذهب إلّا بقانون وليس أي قانون، بل بقانونٍ بأكثرية ثلثي المجلس، شأنه شأن المواد الميثاقية في الدستور. إذ جعل هذا الذهب أكثر أهمية من انتخاب رئيسٍ الجمهورية، الذي يمكن حسمه بصوت واحد، في الدورة الثانية. ولولا، حسين الحسيني لأصبحت الليرة لا تساوي «كروزيرو» منذ عقود.
أُبعِدَ الشرفاء، أو انكفأوا، وقطعت وأكلت مليشيات السلاح، وحيتان المال، وأمراء الطوائف، ووصلنا إلى ما وصلنا إليه.. يجب استبدال الديمقراطية في قاموسنا بالبنكوقراطية، أو بالميليشيا قراطية، فذلك أفضل لنا وللحقيقة.
لقد آنَ لنا أن نقتنع قبل أن نقنعَ الآخرين بأنّها ليست ديمقراطية الدولة التي يحكمها، أمراء الطوائف ورؤساء الطوائف، وتجار السياسة والطائفية. لقد نص الدستور اللبناني على الفصل بين السلطات، كما في الدول الديمقراطية، فإذا كانت السلطة التنفيذية أي الحكومة هي صورة مصغّرة، عن المجلس النيابي، فكيف للمجلس أن يحاسب حكومةً هي منه، له، وتتبع أركانه؟ وأين السلطة القضائية المستقلة مادام القضاة تحت سلطة الطبقة السياسية في التعيين والتشكيل والترقية.
الكلام يطول والخلاصة، انّه لم يعد هنالك سوي مؤسسة واحده في هذا الوطن، صامدة شامخة ما فتئ العابثون يحاولون العبث بها، وهي المؤسسة العسكرية، التي استطاع قائدها العماد رودولف هيكل أن يبعد عنها، الأصابع الملوثة، ولكن إلى متى؟ فالقارب العسكري يصارع الأمواج العاتية.