الرهان على نجاح اتفاق الإطار... مسؤولية وطنية لا تحتمل التردّد
فؤاد بوجي
منذ توقيع اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل في واشنطن نهاية حزيران الماضي، برعاية أميركية، انقسم اللبنانيون بين مؤيد يرى فيه فرصة تاريخية لاستعادة السيادة، ومعارض يعتبره تنازلاً مذلّاً. غير أن الجدل حول شرعية الاتفاق أو ظروف التوصل إليه، على أهميته، لا يجوز أن يحجب عنا حقيقة واحدة: أن نجاح هذا المسار بات اليوم مصلحة وطنية عليا تتجاوز حسابات الأفرقاء والمحاور.
واليوم، بعد أسابيع من التوقيع، يدخل الاتفاق مرحلته العملية الأولى: فقد أعلنت جولة المفاوضات التي عُقدت في روما هذا الأسبوع الاتفاق على استكمال هيكلية «المناطق التجريبية» والبدء بتنفيذها خلال أيام، فيما يُفترض أن يتسلّم الجيش اللبناني تباعاً مسؤولية منطقتين جنوبيتين مقابل انسحاب إسرائيلي منهما. هذه الخطوة، وإن بدت محدودة على الخريطة، تشكّل أول اختبار فعلي لجدّية الطرفين، ومؤشراً على ما إذا كان الاتفاق سيتحوّل إلى مسار تنفيذي حقيقي أم يبقى حبراً على ورق كسابقيه من التفاهمات غير المكتملة.
ويكتسب توقيت هذا التطور أهمية إضافية مع استعداد فخامة الرئيس جوزاف عون لزيارة واشنطن في 21 تموز الجاري، تلبية لدعوة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فهذه الزيارة تمثل فرصة لبنانية لترجمة الالتزامات الأميركية برعاية الاتفاق إلى ضغط فعلي على إسرائيل لإنجاز الانسحاب وفق جدول زمني واضح، ولتظهير الموقف اللبناني الموحّد حول أولوية استعادة الأرض والسيادة، بعيداً من أي تفسير أحادي للاتفاق.
وفي هذا السياق بالذات، يصبح التأكيد على أهمية فصل المسار اللبناني عن المسار الأميركي - الإيراني الذي أصبح اليوم أمرا واقعا أكثر من أي وقت مضى، ما يؤكد صوابية قرار الدولة بالذهاب الى هذا الخيار. فبعدما بدت مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، الموقّعة في حزيران الماضي، صامدة لأسابيع، عاد التصعيد ليطيح بها خلال الأيام الأخيرة، مع ضربات أميركية واسعة على مواقع إيرانية، وردود بالمثل طالت قواعد أميركية وسفناً في مضيق هرمز. لبنان لم يعد يملك ترف الانتظار حتى تتضح نتائج هذه المواجهة الإقليمية المتجدّدة، ولا مصلحة له بربط مصير اتفاقه الخاص، الذي انبثق أصلاً من مسار تفاوضي منفصل ابتدأ بمبادرة الرئيس عون في آذار الماضي، بتقلّبات ملف لا سيطرة للبنانيين على مساراته ولا على توقيت حسمه.
صحيح أن الشكوك مشروعة، وأن سوابق القرار 1701 والهدن المتعثرة تدعو إلى الحذر من تكرار سيناريو «إدارة النزاع» بدل حلّه، خصوصاً في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية اليومية في الجنوب. لكن المراهنة على فشل الاتفاق، أو التعامل معه كأمر واقع مفروض يُراد إسقاطه من الداخل قبل أن يُعطى فرصة الاختبار الميداني، لن يعيد إسرائيل خطوة واحدة إلى الوراء، بل سيُبقي الجنوب رهينة الستاتيكو القائم.
ومن المفارقات أن بعض الأصوات المعارضة للمسار تُبدي حماسة أكبر لتوصيف الاتفاق واتهام الدولة بالتفريط، من حماستها لمساءلة الاحتلال عن استمرار غاراته وخروقاته اليومية رغم توقيع الاتفاق. فالنقد المشروع لأي بند إشكالي لا يتناقض مع دعم الدولة في مسعاها، أما تصوير كل خطوة تفاوضية بأنها استسلام فمقاربة تُريح الاحتلال أكثر مما تُقلق حكومته.
إن المسؤولية الوطنية اليوم تقتضي التمييز بين النقد البنّاء الذي يحصّن الموقف التفاوضي اللبناني، وبين الرفض المطلق الذي يُفرغ الدولة من أوراق قوتها. فالدولة اللبنانية، بمؤسساتها الدستورية، هي وحدها صاحبة القرار السيادي، وهذا ما يجب أن يبقى بيت القصيد: ألا يتحول الخلاف الداخلي حول الاتفاق إلى انقسام يهدد السلم الأهلي، بل أن يتحوّل إلى زخم وطني موحّد يراقب التنفيذ، بدءاً من المناطق التجريبية، ويرافق زيارة الرئيس عون إلى واشنطن بدعم سياسي واسع، مع تمسّك واضح بأن مسار لبنان قائم بذاته ولا يُقاس بمقياس أي ملف إقليمي آخر.
النجاح ليس مضموناً، والطريق ما زالت طويلة وشائكة، لكن الفشل - في المقابل - له كلفة لا يتحمّلها لبنان بعد اليوم.






