د. عبّاس حيدر
الرّحمة للشّهداء الذين سقطوا دفاعاً عن أرضهم وكرامتهم، والشّفاء للجرحى، والصّبر لكل من دفع أثمان الحروب والاعتداءات والرّهانات الكبرى.
أمّا السّياسة، فلا تعرف العواطف بقدر ما تعرف موازين القوى والمصالح. لذلك، عندما يأتي وقف لإطلاق النّار، فإنّ الشّعوب لا تسأل فقط: من أطلق الرّصاصة الأخيرة؟ بل تسأل أيضاً: من استطاع أن يوقف نزيف الدم؟
قد يرى البعض أنّ الفضل يعود إلى الضّغوط الدّولية، أو إلى الإدارة الأميركيّة، أو إلى المفاوض الإيراني، أو إلى توازنات إقليمية فرضت نفسها على الجميع. لكنّ السّؤال الأهم يبقى: ماذا بعد؟
إذا كان السّلاح لم ينجح في ردع العدوان بشكل كامل، ولم يستطع أن يحمي النّاس من الدمار، ولم يؤسّس لتوازن رعب يمنع تكرار الاعتداءات، فإنّ من حقّ اللبنانيين أن يطرحوا الأسئلة الصّعبة. ليس من باب التّخوين أو التّنكّر للتّضحيات، بل من باب البحث عن استراتيجية أكثر فاعلية لحماية الوطن.
فالقوّة ليست مجرّد امتلاك السّلاح، بل القدرة على تحويل عناصر القوّة إلى حماية فعلية للنّاس، وإلى استقرار سياسي، وإلى مشروع دولة قادرة على الدّفاع عن حدودها وصون سيادتها وتأمين حياة كريمة لمواطنيها.
لقد دفعت الشّعوب في هذه المنطقة أثماناً باهظة للحروب المفتوحة، فيما بقيت التّنمية والعدالة والإصلاح مؤجّلة. لذلك فإنّ المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة مراجعة هادئة وشجاعة، تُقاس فيها النّتائج لا بالشّعارات، بل بما تحقّق على أرض الواقع.
إنّ تكريم الشهداء لا يكون فقط بالبكاء عليهم، بل بالتّعلم من التّجارب، واستخلاص الدّروس، وبناء مستقبل يقلّ فيه عدد الشّهداء وتزداد فيه فرص الحياة. فالأوطان لا تُبنى بالحروب وحدها، كما أنّها لا تُحمى بالاستسلام، بل بحسن الجمع بين القوّة والحكمة، وبين الكرامة الوطنيّة ومصلحة الإنسان.
ويبقى الأمل أن يكون وقف إطلاق النّار بدايةً لمسار يحفظ لبنان، ويُنهي دوّامة الدّم، ويُعيد توجيه الجهود نحو بناء الدولة التي تستحقّها تضحيات أبنائها...