بيروت - لبنان

اخر الأخبار

21 تشرين الأول 2025 12:00ص العفو العام: أداة للاستقرار أم ورقة سياسية؟

حجم الخط
د. رشا أبو حيدر

العفو العام في لبنان يمثل أحد أبرز الأدوات القانونية والسياسية والاجتماعية التي يمكن للدولة اللجوء إليها لتحقيق الاستقرار وتعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسات. وغالباً ما يُطرح هذا الإجراء في أوقات حرجة، خصوصاً قبل الاستحقاقات الانتخابية، مما يثير التساؤل حول دوافعه: هل هو وسيلة حقيقية لإعادة الاستقرار، أم مجرد أداة سياسية لكسب التأييد الشعبي؟ وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في منطقة بعلبك–الهرمل، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية والاجتماعية والسياسية بشكل حسّاس، ويصبح لكل قرار تأثير ملموس على المجتمع المحلي.
العفو العام هو إجراء تشريعي أو دستوري يتيح للدولة إعفاء فئات محددة من الأشخاص من العقوبات الجنائية، أو تخفيفها، أو إسقاط المسؤولية الجنائية عنهم. ويختلف عن العفو الخاص في كونه يشمل مجموعات واسعة من المواطنين، وليس أفراداً محددين، ما يمنحه بُعداً اجتماعياً يعزز دمج المستفيدين في المجتمع. وينص الدستور اللبناني، في المادة 18، على حق رئيس الجمهورية في منح العفو وفقاً للقانون، سواء كان عفواً عاماً أو خاصاً، ويصدر عادة عبر قانون من مجلس النواب أو مرسوم رئاسي بعد موافقة الجهات التشريعية المختصة. ويقتصر تطبيق العفو العام على الجرائم المحددة قانوناً، مع استثناء بعض الجرائم الكبرى مثل جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية. ويهدف هذا الإجراء إلى تخفيف الضغط على القضاء والسجون، وإعادة إدماج الأفراد في المجتمع ضمن إطار قانوني يقلل احتمالية العودة إلى السلوكيات الإجرامية، بينما يعزز الثقة بين المواطنين والدولة من خلال ممارسة العدالة بحزم وروح رحيمة في الوقت نفسه.
لقد شهد لبنان عدة حالات للعفو العام خلال تاريخه الحديث، أبرزها العفو الذي صدر بعد انتهاء الحرب الأهلية عام 1990، والذي ساعد على إدماج المقاتلين السابقين وتهدئة الثارات المحلية في مناطق مختلفة من البلاد، بما فيها البقاع وبعلبك–الهرمل. كما أصدر مجلس النواب القانون رقم 84/1991، والذي تضمن منح العفو العام لفئات معينة من المواطنين، وقد ركّز على معالجة التداعيات الأمنية والاجتماعية للنزاعات السابقة. وفي السنوات الأخيرة، لوحظت دعوات متكررة للعفو العام قبل الاستحقاقات الانتخابية، خصوصاً في مناطق مثل بعلبك–الهرمل، حيث يُنظر إليه كوسيلة لتهدئة التوترات المحلية ودمج الفئات المهمشة، إلّا أن هذا الاستخدام أثار جدلاً حول استغلاله لأهداف سياسية انتخابية مؤقتة.
تكتسب منطقة بعلبك–الهرمل أهمية خاصة في هذا السياق، نظراً لحساسيتها الأمنية والاجتماعية. ففي هذه المنطقة، يمكن للعفو العام أن يلعب دوراً محورياً في دمج المواطنين بالدولة وإعادة الأشخاص ذوي السجلات الجنائية المحدودة إلى المجتمع، مما يحدّ من الاحتقان المحلي ويخفف التوترات المجتمعية. فعندما يُمنح العفو العام، يحصل المستفيدون على فرصة للعيش ضمن القانون، ما يقلل شعورهم بالحرمان أو الإقصاء، ويظهر الدولة كحاضنة للعدالة بروح رحيمة، وهو ما يساهم في تعزيز الثقة بين المواطنين والمؤسسات.
ويصبح العفو أكثر فعالية عندما يُقرن ببرامج تشغيل الشباب وإعادة التأهيل الاجتماعي، حيث يقلّ احتمال العودة إلى السلوكيات الإجرامية ويزداد تأثيره الإيجابي على المجتمع ككل. ومن هنا يظهر أن نجاح العفو العام يعتمد بشكل كبير على الشفافية والمساواة في التطبيق، لتفادي أي استغلال سياسي أو طائفي، ويُستكمل هذا النجاح بربطه بمبادرات اجتماعية واقتصادية تضمن إعادة دمج المستفيدين في المجتمع بشكل فعّال ومستدام.
ولضمان نجاح العفو العام، يجب أن يتم تحديد الجرائم المستهدفة بوضوح، وربط هذا الإجراء بمبادرات إعادة التأهيل، مع ضمان الشفافية والمساواة في التطبيق، وتقييم الأثر الاجتماعي والسياسي قبل إصدار أي قرار. إذ يمثل العفو العام في لبنان، وخصوصاً في منطقة بعلبك–الهرمل، فرصة لإعادة الدمج الاجتماعي وتعزيز الاستقرار، لكنه قد يُستغل سياسياً قبل الانتخابات إذا لم تُراعَ هذه الاعتبارات. النجاح الحقيقي للعفو العام يتطلب توازناً دقيقاً بين العدالة والاستقرار، الشفافية، وإعادة التأهيل المجتمعي، ليكون أداة حقيقية لدعم الدولة والمواطنين، لا مجرد وسيلة لكسب تأييد سياسي قصير الأمد.