المرجعية للدستور... والقانون لا ينتظر التوافق من أحد
قبل أن يتبارى أحد في البكاء على الجيش اللبناني، وقبل أن يحتكر أحد الحديث باسم شهدائه، فليتذكّر اللبنانيون صفحاتٍ من تاريخهم القريب. فمن حرب الإلغاء، إلى أحداث السابع من شباط وما أعقبها من مواجهات، إلى أحداث مار مخايل، إلى المواجهات مع أنصار الشيخ صبحي الطفيلي، إلى معركة نهر البارد، إلى معارك عبرا، إلى معارك عرسال ورأس بعلبك والقاع ضد التنظيمات الإرهابية، وصولاً إلى المواجهات مع مجموعات مسلحة ومطلوبين في البقاع، ارتقى ضباط وعناصر من الجيش اللبناني شهداء أثناء أداء واجبهم الوطني، ومن بينهم الشهيد الطيار سامر حنا.
هذه ليست روايات سياسية، بل محطات دامية من تاريخ المؤسسة العسكرية. ولذلك، فإن دماء شهداء الجيش أكبر من أن تُستحضر في الخطابات أو تُستخدم في المزايدات السياسية. فالتاريخ يحتفظ بأحداثه، واللبنانيون يعرفون من كانوا أطرافاً في تلك المواجهات، كما يعرفون أن الجيش كان في كل مرة يدفع الثمن دفاعاً عن الدولة.
ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: كيف يمكن لمن يتحدث اليوم باسم الدولة والدستور أن يقبل في الوقت نفسه بتعطيل المؤسسات وتعليق أحكام الدستور عندما لا تتوافق النتائج مع مصالحه؟ فاحترام الجيش لا يكون بالشعارات، بل باحترام الدولة التي استشهد جنودها دفاعاً عنها، واحترام الدستور الذي أقسم العسكريون على حمايته، واحترام القانون الذي سقط الشهداء من أجل أن يبقى فوق الجميع.
لقد تحوّل قانون العفو العام من مشروع قانون يناقش تحت قبة البرلمان إلى اختبار حقيقي لمعنى الدولة والدستور والديمقراطية. فلم يعد النقاش يدور حول نص قانوني فحسب، بل حول سؤال أكثر عمقاً: هل ما زال مجلس النواب يمارس صلاحياته الدستورية كاملة، أم أن القرار التشريعي أصبح معلقاً بانتظار توافقات سياسية تسبق الدستور؟
لقد تباينت المواقف حول مشروع القانون. فمنهم من رأى فيه معالجة إنسانية وقانونية لملفات طال انتظارها، ومنهم من رفض شموله بعض الجرائم حفاظاً على حقوق الضحايا وهيبة الدولة، بينما طالب آخرون بإعادة صياغته أو تعديله قبل إقراره.
وهذا حق مشروع في أي نظام ديمقراطي.
لكن ما ليس طبيعياً هو أن يتحوّل الاختلاف السياسي إلى سبب لتعطيل الآلية الدستورية نفسها.
إن مجلس النواب لم يُنتخب ليبقى أسير الانتظار، بل انتُخب ليناقش، ويعدّل، ثم يصوّت. فالديمقراطية البرلمانية لا تقوم على الإجماع الدائم، وإنما على الاحتكام إلى الدستور وآلية التصويت التي تحسم الخلافات السياسية بصورة سلمية ومؤسساتية.
ولو كان المشترع الدستوري يريد الإجماع في كل القوانين، لما أوجد أكثرية وأقلية، ولما كانت هناك حاجة أصلاً إلى التصويت داخل المجلس النيابي.
وهنا تكمن الخطورة..
فعندما يصبح كل استحقاق رهينة توافق مسبق، تتحوّل المؤسسات تدريجياً إلى هياكل شكلية، ويصبح القرار الحقيقي خارج القاعة العامة، بينما يفقد البرلمان دوره الطبيعي بوصفه السلطة التي تمثل الإرادة الشعبية.
إن الخلاف السياسي حق، والاعتراض حق، وحتى إسقاط أي مشروع قانون عبر التصويت حق دستوري كامل.
أما تعطيل التصويت نفسه، فهو ليس مجرد خلاف سياسي، بل مساس بجوهر النظام البرلماني. فالمرجعية هي الدستور، والقانون لا ينتظر التوافق من أحد. وإذا كان الدستور قد رسم آلية اتخاذ القرار داخل البرلمان، فلا يجوز استبدالها بأعراف أو تفاهمات تعطل عمل المؤسسات وتفرغها من مضمونها.
فإذا كان النواب لا يستطيعون الاحتكام إلى صناديق الاقتراع داخل البرلمان، فكيف يمكن للمواطن أن يثق بأن صوته في الانتخابات سيؤدي إلى إنتاج قرار سياسي؟
إن احترام الدستور لا يكون عندما تأتي نتائجه منسجمة مع مصالح هذا الفريق أو ذاك، بل عندما نقبل بنتائجه حتى وإن خالفت رغباتنا.
الدولة لا تُبنى على قاعدة أن الجميع يجب أن يوافقوا على كل شيء، لأن ذلك يعني عملياً شلّ المؤسسات. بل تُبنى على قاعدة أن الجميع يحتكمون إلى الدستور، ثم يلتزمون بما تنتجه المؤسسات الدستورية.
إن الجيش الذي قدّم الشهداء في سبيل الدولة لم يفعل ذلك دفاعاً عن تعطيلها، ولم يقسم ضباطه وجنوده على حماية التوافقات السياسية، بل أقسموا على حماية الوطن والدستور والقانون.
ولهذا فإن أفضل وفاء لشهداء الجيش ليس في كثرة الخطب، ولا في المزايدات، بل في حماية الدولة التي استشهدوا من أجلها، وفي احترام مؤسساتها، وفي صون مجلس النواب من أن يتحوّل إلى مؤسسة تنتظر الإذن كي تمارس صلاحياتها.
قد يختلف اللبنانيون حول قانون العفو، وقد يختلفون حول عشرات القوانين الأخرى، لكنهم لا يستطيعون الاختلاف على مبدأ واحد: أن الدولة لا تستقيم إلّا عندما يكون الدستور هو المرجع الأعلى، ويكون البرلمان سيد قراره، ويكون القانون فوق الجميع.
فإذا فقدت الدولة هذه المبادئ، فلن يكون الخاسر قانوناً واحداً، بل ستكون الخسارة هي ثقة اللبنانيين بدولتهم، وهيبة مؤسساتهم، ومستقبل جمهوريتهم.
إن معركة اللبنانيين اليوم ليست مع قانون العفو وحده، بل مع ثقافة تعطيل المؤسسات. فإذا انتصرت هذه الثقافة، فلن يبقَ للدستور سوى نصوص، ولا للبرلمان سوى جلسات، ولا للدولة سوى اسمها. أما إذا انتصرت سيادة القانون، فإن لبنان يكون قد خطا الخطوة الأولى نحو استعادة الدولة التي استشهد من أجلها رجال الجيش اللبناني.






