بيروت - لبنان

اخر الأخبار

19 حزيران 2026 12:05ص المسؤولية الجزائية بين فلسفة التجريم ومشروعية العقاب

حجم الخط
لا تختزل المسؤولية الجزائية في كونها رابطةً قانونيةً تنشأ بين الجاني والدولة بمجرد ارتكاب فعلٍ يجرمه القانون، بل تمثل في جوهرها إحدى أكثر القضايا التصاقاً بالفلسفة القانونية وبالتصور الذي يتبناه المجتمع للإنسان والحرية والعدالة والسلطة. فقبل أن يسأل المشرع عما إذا كان الفعل يشكل جريمة، وقبل أن يبحث القاضي في أركانها وظروفها وأدلتها، يبرز سؤال أكثر عمقاً وأشد التصاقاً بجوهر العدالة ألا وهو: ما المرتكز الذي يبرر للدولة أن تتدخل في حياة الأفراد فتجرم بعض السلوكيات تبيح غيرها، ثم تنسب إلى مرتكبيها المسؤولية وتوقع عليهم العقاب باسم المجتمع؟
إن هذا السؤال لا يتعلق بالتقنيات القانونية ولا بآليات الإثبات أو إجراءات المحاكمة، بل يتصل بالأساس الذي تستمد منه السلطة العامة حقها في التجريم والعقاب. فالأصل في الإنسان الحرية، وكل قيدٍ يرد عليها يحتاج إلى تبريرٍ يعلو عليها في القيمة والمصلحة. ومن هنا نشأت إحدى أهم الإشكاليات الفلسفية في القانون الجنائي، وهي رسم الحدود الفاصلة بين المجال الذي يحق للفرد أن يمارس فيه خياراته بحرية، ولو كانت محل استهجانٍ أو رفضٍ اجتماعي، وبين المجال الذي يحق للدولة التدخل فيه بواسطة الصلاحيات المخولة لها في مجالي التجريم والعقاب بغرض حماية مصلحةٍ عامةٍ أو حقٍ جديرٍ بالحماية.
لقد انقسم الفكر القانوني حول هذه المسألة بين اتجاهاتٍ فقهيةٍ متباينة. فذهب بعض الفقهاء إلى القول بأن التجريم لا يكون مشروعاً إلا إذا استهدف منع ضررٍ يصيب الغير أو انطوى على ما يهدد المجتمع، باعتبار أن وظيفة القانون ليست فرض الفضيلة على الناس بل حماية حقوقهم وحرياتهم وصون كرامتهم. في حين رأى اتجاهٌ آخر أن للدولة دوراً يتجاوز مجرد منع الأضرار ليشمل حماية الفرد من نفسه متى كان سلوكه ينطوي على مخاطرٍ جسيمةٍ تهدد حياته أو سلامته. وذهب اتجاهٌ ثالثٌ إلى اعتبار أن للمجتمع الحق في حماية منظومته الأخلاقية وقيمه الأساسية، لأن هذه القيم تشكل جزءاً من مقومات بقائه وتماسكه وتطوره.
ولا يقف أثر هذه التصورات عند حدود التنظير الفلسفي، بل ينعكس بصورةٍ مباشرةٍ على السياسة الجنائية والتشريعات الجزائية. فكل نصٍ تجريمي ينطوي في جوهره على اختيارٍ فلسفي سابقٍ عليه، يحدد ما إذا كانت الحماية القانونية ينبغي أن تنصرف إلى الحقوق والحريات فحسب، أم تمتد أيضاً إلى الأخلاق العامة والقيم الاجتماعية والمصالح الجماعية. ومن ثم إن التجريم لا ينظر إليه على أنه فعلاً تشريعيًا محضاً، بل باعتباره موقفاً فلسفيًا من طبيعة الفكر البشري وحدود الحرية والوظيفة التي ينبغي أن تضطلع بها الدولة كراعيةٍ المجتمع.
ولما كان تخويل الأفراد للدولة سلطة التجريم ينطوي بحد ذاته على مخاطر جديةٍ قد تؤدي إساءة استغلالها إلى التوسع في تقييد الحريات، لذا برز مبدأ الشرعية الجزائية باعتباره أحد أعظم منجزات الفكر القانوني الحديث. فليس المقصود من قاعدة «لا جريمةٍ ولا عقوبةٍ إلا بنصٍ» تنظيم العمل القضائي فحسب، بل إقامة حاجزٍ فلسفي وقانوني يحول دون تحكم السلطة بمصائر الأفراد وفقاً لأهواء بعض المسؤولين فيها أو لقناعاتهم المتبدلة. فالشرعية الجزائية نتاج انتصار الحرية على التحكم والتسلط، وهي تجعل من القانون وحده مقياساً للمشروعية في مجالي التجريم والعقاب، وهذا ما يوفر للفرد إمكانيةً للوقوف سلفاً على حدود ما هو مباحٌ وما هو محظور، ويحول دون تحويل القانون الجزائي إلى أداةٍ اللهيمنة السياسية أو الاجتماعية.
التجريم وحده لا يكفي لقيام المسؤولية الجزائية، إذ يبقى من الضروري إسناد الفعل إلى كائنٍ يتحلى بميزتي الوعي والإرادة، وهذا ما أخص الله به الإنسان عن سائر المخلوقات، وعليه تترتب المسؤولية حصراً على الفرد الذي يمتلك القدرة على الإدراك والاختيار. وهنا تبرز واحدةً من أعقد الإشكاليات الفلسفية التي واجهت المشرعين الجزائيين عبر التاريخ، وتتمثل في العلاقة بين حرية الإرادة والمسؤولية. فالعقاب في جوهره يفترض أن الإنسان له الخيار في أن يفعل أو ألا يفعل، ورغم ذلك اختار بإرادته الحرة السلوك المحظور والمعاقب عليه. أما إذا جاء السلوك الإنساني نتيجةً حتميةً لعوامل وراثية أو نفسية أو اجتماعيةٍ أو اقتصاديةٍ تخرج عن إرادته وسيطرته، فإن الأساس الأخلاقي للمساءلة يصبح موضع تساؤل.
وظل الفكر الجنائي متأرجحاً بين هذين التصورين. فمن جهة، لا يمكن للمشرع أن يتخلى عن افتراض الحد الأدنى من حرية الاختيار، لأن ذلك يؤدي إلى انهيار فكرة المسؤولية ذاتها. ومن جهةٍ أخرى، لا يستطيع تجاهل التأثير العميق للظروف الشخصية والاجتماعية التي قد تدفع الفرد إلى ارتكاب الجريمة أو تحد من قدرته على مقاومة دوافعها. ولعل هذا ما يفسر اعتراف التشريعات الحديثة بموانع المسؤولية وأسباب تخفيف العقوبات، باعتبار أن الحرية التي يقوم عليها الإسناد الجزائي ليست حريةً مطلقةً أو مجردة، بل حريةً نسبيةً تتفاوت من شخصٍ إلى آخر ومن ظرفٍ إلى آخر.
وفيما لو استقر الرأي على ثبوت المسؤولية الجزائية، لتوجب انتقال النقاش إلى سؤالٍ لا يقل أهمية: لماذا العقاب؟ فالقول بوجود جريمةٍ ومسؤوليةٍ لا يكفي بذاته لتبرير الاقتصاص من المسؤول عن الفعل المجرم، ما لم تتحدد الغاية المتوخاة من العقاب. وفي هذه المسألة انقسمت الآراء حول الفلسفة الجنائية في الإجابة بين اتجاهين، الأول يرى في العقوبة استحقاقاً أخلاقيًا توجبه العدالة، واتجاهٌ آخرٌ ينظر إليها باعتبارها وسيلةً اجتماعيةً لتحقيق الردع والإصلاح والحماية. وبين هذين الاتجاهين ظهرت محاولاتٌ للتوفيق بين العدالة والمنفعة الاجتماعية، باعتبار أن العقوبة لا تكون مشروعةً إلا إذا استندت إلى مسؤوليةٍ حقيقيةٍ من جهة، وأسهمت في تحقيق مصلحةٍ اجتماعيةٍ مشروعةٍ من جهةٍ أخرى. 
أدت التطورات الحديثة التي عرفها الفكر الجنائي إلى إعادة النظر في الفلسفة العقابية التقليدية برمتها. فلم يعد العقاب يقاس بقدر الألم الذي يلحقه بالجاني، بل بمدى قدرته على تحقيق العدالة ومنع العود إلى الجريمة وإصلاح الخلل الذي أحدثه الفعل الجرمي. ومن هنا برزت مفاهيم العدالة التصالحية وإعادة التأهيل وإعادة الإدماج الاجتماعي، باعتبارها محاولاتٌ للانتقال من منطق الانتقام القانوني إلى منطق الإصلاح ومعالجة الخلل، ومن التركيز على الجريمة وحدها إلى الاهتمام أيضاً بالضحية والجاني والمجتمع.
لقد تعزز هذا التحول مع تطور المفاهيم التي أرستْها منظومة حقوق الإنسان التي فرضت على المشرعين الجزائيين مراجعة الكثير من المسلمات التقليدية. فلم يعد مقبولاً أن يكون التجريم غير محصورٍ ولا مقيد، ولا أن تكون العقوبة مجرد وسيلةٍ لإيلام المحكوم عليه أو عزله عن المجتمع. بل أصبح احترام الكرامة الإنسانية ومبدأ التناسب والضرورة والإنسانية معايير أساسيةً تقاس على أساسها مشروعية التجريم والعقاب معاً. وأصبحت شرعية السلطة العقابية لا تستمد من قدرتها على الإكراه فحسب، بل من مدى التزامها بضمانات العدالة واحترام حقوق الإنسان، حتى عندما يكون متهماً أو محكوماً عليه.
وبناءً عليه، لم يعد بالإمكان النظر إلى المسؤولية الجزائية على أنها مفهوماً قانونيًا تقنيًا مًجرداً، بل نتاج تفاعلٍ معقدٍ بين الفلسفة والأخلاق والقانون والسياسة الجنائية. فهي تقوم على تساؤلاتٍ ثلاثية الأبعاد: متى يجوز للدولة أن تجرم؟ وعلى أي أساس يجوز نسبة الفعل إلى فاعله؟ ولماذا يحق للمجتمع أن يعاقبه؟ والإجابة على هذه التساؤلات تبلور صورةً واضحةً عن مفهوم الجريمة وحدود المسؤولية وطبيعة العقوبة ومشروعيتها.
ونظراً لأن النصوص ليست سوى الثمرة الظاهرة لجذورٍ أعمقٍ تمتد إلى الفلسفة السياسية والأخلاقية للمجتمع، يصبح دور الفقيه الجزائي لا يقتصر على تفسير النصوص القانونية وشرح أحكامها، بل يمتد ليطال المساهمة في بلورة إصلاحٍ حقيقي للقانون الجزائي يبدأ بإعادة التفكير في الأسس الفكرية التي تبرر سلطة الدولة في التجريم والعقاب، ومن ثم في مدى انسجام هذه السلطة مع قيم الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية ليصار على ضوء ذلك تعديل العقوبات أو استحداث الجرائم. وعلى ضوء هذه المقاربة يصبح القانون الجزائي الأكثر عدالة ليس الذي ينص على أشد العقوبات أو أوسع سلطات قمعية، بل الأقدر على ترسيخ توازن دقيقٍ بين حماية المجتمع وصونٍ حقوق الإنسان، وبين مقتضيات الأمن ومتطلبات الحرية، وبين حق الجماعة في الدفاع عن ذاتها وحق الفرد في أن يبقى إنساناً، حتى وهو موضع مساءلةٍ أو عقاب.
ونخلص من كل ذلك للقول إن العدالة الناجزة لا يمكن أن تتحقق من دون ورشة تحديثٍ حقيقيةٍ للقوانين، على نحو يحاكي تطور المفاهيم في المجتمع، فهل في لبنان من يتجرأ على فتح هذه الورشة الإصلاحية.