بيروت - لبنان

اخر الأخبار

23 تشرين الأول 2025 12:00ص النائب بين ثقافة الخدمات ومفهوم التشريع

حجم الخط
منذ نشأة الحياة النيابية في لبنان، سادت في الوعي الشعبي صورة مشوّهة لدور النائب ومهمته. فقد ترسّخ في أذهان المواطنين أنّ النائب هو «صاحب الخدمات» و«مفتاح المعاملات»، وأنّ وظيفته الأساسية تتمثل في تأمين احتياجات الناس اليومية من توظيف وتطبيب ومساعدات. أما الجانب التشريعي والرقابي، أي جوهر العمل البرلماني، فغُيّب أو هُمّش لحساب ثقافة الزبائنية السياسية التي أضعفت مفهوم المواطنة وأفرغت الديمقراطية من مضمونها.
وهنا لا بد من الإشارة الى أن الدستور اللبناني ينصّ بوضوح على أنّ مجلس النواب هو السلطة التشريعية في البلاد، وأنّ النائب يُمثّل الأمة جمعاء لا فئة أو منطقة أو طائفة. وبالمنطق الدستوري، فإنّ النائب يمارس دوره عبر التشريع والرقابة والمساءلة، وهي المهام التي تؤسس لسيادة القانون وتحمي النظام الديمقراطي. غير أنّ الممارسة السياسية في لبنان، على امتداد عقود، ابتعدت عن هذا النص الدستوري لتكرّس واقعاً مغايراً يقوم على العلاقات الشخصية والمحسوبيات.
لقد تحوّل النائب، في نظر كثيرين، إلى وسيط بين المواطن والإدارة، بدل أن يكون مشرّعاً يسعى لإصلاح الإدارة نفسها. وهذا الانحراف في فهم الوظيفة النيابية أدّى إلى تشويه جوهر النظام البرلماني، بحيث صار النائب يُقاس بقدرته على «تلبية الطلبات» لا بقدرته على سنّ القوانين التي تضمن العدالة والمساواة.
ولا يمكن فهم هذه الظاهرة دون العودة إلى جذورها التاريخية. فالنظام الاجتماعي اللبناني، منذ العهد العثماني، كان قائماً على الزعامة المحلية والعلاقات الأهلية. ومع الانتداب الفرنسي، ترسّخ هذا النمط عبر دعم الأعيان والإقطاع السياسي الذين مثّلوا وسطاء بين السلطة والشعب. وعندما وُلدت الجمهورية اللبنانية، حملت معها هذا الإرث، فتحوّل البرلمان إلى ساحة لتوازنات الطوائف والعائلات، أكثر منه هيئة تشريعية فاعلة.
فقد ساهم غياب الدولة القوية والخدمات العامة المنتظمة في تعزيز هذا السلوك. فعندما تعجز الإدارة عن تلبية حاجات المواطنين، يلجأ هؤلاء إلى النائب أو الزعيم لتأمينها. ومع الوقت، أصبحت «الخدمة» مرادفاً «للتمثيل».
إنّ هذا الواقع أفرز ثقافة سياسية خطيرة، تقوم على تبادل المنافع بين النائب والناخب: صوتٌ مقابل خدمة، وولاءٌ مقابل منفعة. وبذلك، فقدت العملية الانتخابية بعدها الديمقراطي، إذ لم تعد أداة لاختيار الأفضل تشريعاً ورؤية، بل أصبحت وسيلة لضمان المصالح الفردية. هذه الزبائنية أضعفت حسّ المواطنة، ورسّخت فكرة أن الدولة غير قادرة على رعاية مواطنيها إلّا عبر الوساطات والعلاقات.
من الناحية القانونية، إنّ هذا السلوك يتناقض مع مبدأ المساواة أمام القانون، إذ يجعل الخدمات العامة حكراً على من يملك النفوذ السياسي. وهو أيضاً يتنافى مع مبدأ الفصل بين السلطات، لأنّ النائب الذي يتدخّل في أعمال الإدارة يتجاوز صلاحياته التشريعية إلى صلاحيات تنفيذية ليست من اختصاصه.
إنّ العمل التشريعي هو في جوهره خدمة عامة، بل هو أرقى أشكالها. فالقانون العادل والمنصف يحقق مصالح مئات الآلاف من المواطنين دفعة واحدة، بينما الخدمة الفردية لا تتجاوز إطارها المحدود. النائب الذي يُشرّع قانوناً يضمن التعليم الرسمي أو الرعاية الصحية أو يحارب الفساد الإداري، يكون قد قدّم للمجتمع خدمة دائمة ومستدامة تتجاوز الأشخاص والأزمنة.
من هنا، فإنّ وظيفة النائب ليست في توزيع المنح ولا في تعبيد الطرقات، بل في وضع تشريعات تُلزم الدولة بإنجاز هذه الأعمال على نحو مؤسسي ومنصف. إنّ نقل منطق الخدمة من الفرد إلى المؤسسة هو ما يميز الدولة الحديثة عن دولة الزعامات. فبدل أن يذهب المواطن إلى النائب طلباً للعون، ينبغي أن يجد حقّه محفوظاً في القانون، ومؤمّناً عبر مؤسسات الدولة.
إن الأزمة في لبنان ليست أزمة نصوص، بل أزمة وعي وسلوك. فالدستور واضح في تحديد مهام النائب، لكن الثقافة السياسية والاجتماعية ما زالت أسيرة منطق «الزعيم الخدوم». لذلك، فإنّ الإصلاح الحقيقي يبدأ من إعادة الاعتبار إلى الوظيفة التشريعية، وتعزيز الوعي العام حول دور النائب كممثل للأمة لا كمموّل لمناصريه.
وينبغي أن يواكب هذا الإصلاح تطوير في آليات المحاسبة البرلمانية. فالمواطن لا بد أن يُسائل نائبه عن أدائه في المجلس: كم قانوناً اقترح؟ كيف صوّت في القضايا الوطنية؟ ما هي مواقفه من الإصلاح والشفافية؟ حين تصبح هذه الأسئلة جزءاً من الوعي الانتخابي، عندها فقط يستعيد البرلمان هيبته ودوره الحقيقي.
لا يمكن إنكار أهمية أن يبقى النائب قريباً من الناس، متفهّماً لمعاناتهم، ومتفاعلاً مع قضاياهم اليومية. لكن هذا القرب يجب أن يتحوّل إلى قاعدة لصياغة السياسات العامة، لا إلى أداة لتقديم المساعدات الشخصية. فالنائب الذي يستمع إلى مشكلات المواطنين، ثم يترجمها إلى اقتراح قانون عادل، يخدمهم أكثر من ألف منحة أو مساعدة مؤقتة.
هكذا يصبح التشريع تعبيراً عن خدمة جماعية، ويصبح البرلمان مختبراً للعدالة الاجتماعية. وبالمقابل، كلما غرق النائب في منطق الخدمات الفردية، كلما تراجع دور الدولة وازداد ضعف مؤسساتها، لأنّ الناس سيستبدلون القانون بالواسطة، والمؤسسة بالشخص.
ولبناء دولة حديثة، لا بد من ثورة فكرية هادئة تُعيد تعريف العلاقة بين المواطن والنائب. فالواجب الوطني يحتم أن نربّي الأجيال على أنّ النائب هو مشرّع ورقيب، لا متبرع أو وسيط. والمدارس والجامعات والإعلام مدعوّة إلى ترسيخ هذه المفاهيم، لأنها الأساس في أي نهضة سياسية حقيقية.
كما أنّ المجتمع المدني عليه دور أساسي في مراقبة الأداء النيابي، ونشر الوعي حول القوانين التي تمسّ حياة الناس. فكلما ازداد اطّلاع المواطن على عمل مجلس النواب، تقلّصت مساحة الاستغلال السياسي، وتعززت ثقافة المحاسبة والمواطنة.
إنّ النائب الذي يشرّع من أجل الوطن يقدّم أعظم خدمة للمواطن. فالخدمة الفردية قد تُسعد شخصاً، أما القانون العادل فيُصلح وطناً. من هنا، يجب أن يتحوّل مجلس النواب من ساحة للوساطات إلى مصنع للقوانين، ومن منبر للمطالب الفردية إلى محرّك للإصلاح الوطني.
لقد آن الأوان لأن نعيد الاعتبار لدور النائب بوصفه ركناً من أركان الدولة، لا موظفاً في خدمة الزبائن. إنّ الإصلاح الحقيقي لا يقوم على الوعود، بل على تشريعات تُبنى على أسس العدالة والشفافية والمساواة. وعندما يدرك المواطن أنّ حقّه محفوظ في القانون لا في جيب النائب، عندها فقط نكون قد وضعنا أول حجر في بناء دولة القانون والمؤسسات، الدولة التي يستحقها لبنان.