26 حزيران 2026 12:00ص الوسائل الإجرائيّة المتاحة للخصوم لضمان حسن سير الملفّ الجزائي

حجم الخط
المحامي د. عادل مشموشي

تتميّز الدّعوى الجزائيّة عن سائر الدّعاوى القضائيّة بأنّها لا تقتصر على فضّ نزاعٍ بين مصالح خاصّة، بل تتجاوز ذلك إلى حماية المجتمع من الجريمة وصون النّظام العامّ، مع المحافظة في الوقت عينه على الحقوق والحرّيّات الأساسيّة للأفراد. وانطلاقاً من هذه الخصوصيّة، أحاط المشرّع اللبنانيّ الملاحقة الجزائيّة بمنظومةٍ متكاملةٍ من الضّمانات والوسائل الإجرائيّة التي وضعت بتصرّف مختلف الخصوم وأصحاب الصّفة، ليس فقط للدّفاع عن مصالحهم وحقوقهم، بل أيضاً للمساهمة في ضمان حسن سير الملفّ الجزائيّ وتحقيق التّوازن بين مقتضيات العدالة وحقوق الدّفاع.
وتبدأ هذه الوسائل بالآليّات التي تمكّن من وضع الجريمة موضع الملاحقة. فقد أجاز القانون لكلّ شخصٍ أن يقدّم إخباراً إلى النّيابة العامّة أو إلى الضّابطة العدليّة بشأن جريمةٍ وقعت أو يشتبه بوقوعها أو يحضّر لارتكابها. ويشكّل الإخبار إحدى الوسائل الأساسيّة التي تسهم في كشف الجرائم ولا سيّما تلك التي تمسّ المال العامّ أو المصالح الجماعيّة أو التي يتعذّر على المتضرّرين المباشرة بشأنها. غير أنّ المخبر لا يعدّ خصماً في الدّعوى الجزائيّة، إذ ينحصر دوره في إيصال المعلومات إلى السّلطات المختصّة التي يعود لها تقدير مدى جدّيّتها واتّخاذ القرار المناسب بشأنها.
أمّا المتضرّر من الجريمة فقد منحه القانون وسائل أكثر فعاليّةً في التأثير على مسار الملاحقة. وتتمثّل أوّل هذه الوسائل في تقديم الشّكوى، ولا سيّما في الجرائم التي علّق المشرّع تحريك الدّعوى العامّة بشأنها على إرادة المتضرّر. وتعدّ الشّكوى في هذه الحالات شرطاً لازماً للملاحقة، بحيث يمتنع على النّيابة العامّة المباشرة بالإجراءات قبل تقديمها. كما يملك المتضرّر وسيلةً أكثر تأثيراً تتمثّل في الادّعاء الشّخصيّ أمام المرجع المختصّ، وهو إجراءٌ لا يقتصر على المطالبة بالتّعويض، بل قد يؤدّي إلى تحريك الدّعوى العامّة نفسها وفقاً للأصول القانونيّة المرعيّة الإجراء.
ويخوّل الادّعاء الشّخصيّ صاحبه مجموعةً واسعةً من الوسائل الإجرائيّة، فيحقّ له متابعة التّحقيقات، وتقديم المراجعات والطّلبات، كطلب اتّخاذ إجراءات تحقيقٍ إضافيّة. كما له أن يطعن ببعض القرارات والأحكام ضمن الحدود التي رسمها القانون. كما يملك حقّ إبداء ملاحظاته على نتائج الخبرة والتّحقيق، والمطالبة بسماع شهودٍ أو إجراء كشوفٍ أو أيّ تدبيرٍ من شأنه المساهمة في إظهار الحقيقة.
وفي المقابل، يتمتّع المدّعى عليه أو المشكو منه بمجموعةٍ من الوسائل الإجرائيّة التي تشكّل ترجمةً عمليّةً لقرينة البراءة ولمبدأ المحاكمة العادلة. ومن أبرز هذه الوسائل الدّفوع الشّكليّة التي ترمي إلى التّحقّق من سلامة الملاحقة والإجراءات قبل البحث في أساس النّزاع، كالدّفع بعدم الاختصاص، أو ببطلان بعض الإجراءات الجوهريّة، أو بعدم قبول الدّعوى، أو بسقوطها، أو بقوّة القضيّة المحكوم بها. كما يملك كلّ طرفٍ من الخصوم حقّ طلب إجراء تحقيقاتٍ إضافيّة، وسماع شهود النّفي، والاستعانة بالخبراء، ومناقشة الأدلّة ومواجهة الشّهود، والطّعن بقرارات التّوقيف، وممارسة مختلف طرق المراجعة والطّعن التي يجيزها القانون.
ولا يقتصر نطاق الخصومة الجزائيّة على المدّعي الشّخصيّ والمدّعى عليه فحسب، بل يمتدّ أحياناً إلى المسؤول بالمال الذي قد يدخل أو ينضمّ في الدّعوى الجزائيّة بسبب التزامه القانونيّ أو التّعاقديّ بتحمّل النتائج الماليّة المترتّبة على المسؤول عنه ماليّا جرّاء مساهمته في اقتراف الجريمة. ويملك المسؤول بالمال وسائل إجرائيّةً مستقلّةً تمكّنه من حماية مصالحه الماليّة، فيحقّ له الحضور وإبداء الدّفوع المٌتعلّقة بمسؤوليّته، والطّعن بالشّقّ المدنيّ من الأحكام والقرارات التي ترتّب عليه موجباتٍ ماليّةً، ومناقشة عناصر الضّرر والرّابطة السّببيّة ومقدار التّعويضات المطلوبة. كما يملك حقّ تقديم المستندات والأدلّة التي من شأنها نفي مسؤوليّته أو الحدّ من نطاقها.
وكذلك الحال بالنّسبة إلى الضّامن الذي قد يتدخّل في بعض الحالات التي يجيزها القانون أو تفرضها طبيعة العلاقة القانونيّة القائمة بينه وبين أحد أطراف الخصومة. ويملك الضّامن بدوره حقّ الاطّلاع على الملفّ ضمن الحدود المقرّرة قانوناً، وإبداء دفوعه وملاحظاته، وتقديم ما يؤيّد موقفه من مستنداتٍ وأدلّة، والطّعن بالقرارات والأحكام التي تمسّ مباشرةً حقوقه أو موجباته الماليّة.
وتمارس النّيابة العامّة دوراً محوريًّا في هذا الإطار بوصفها صاحبة الاختصاص الأصيل في تحريك الدّعوى العامّة ومتابعتها. فهي تتلقّى الإخبارات والشّكاوى، وتشرف على أعمال الضّابطة العدليّة، وتقرّر الادّعاء عند توافر الأدلّة والمعطيات الكافية. غير أنّ دورها لا يقتصر على السّعي إلى إثبات الاتّهام، بل يمتدّ إلى البحث عن الحقيقة الموضوعيّة بكامل عناصرها، بما في ذلك الوقائع والأدلّة التي قد تفيد المدّعى عليه أو تؤدّي إلى تبرئته.
ومن الوسائل الإجرائيّة ذات الأهمّيّة البالغة في ضمان حسن سير الملفّ الجزائيّ وسائل المراجعة والطّعن التي منحها القانون للخصوم. فالاستئناف والتّمييز وإعادة المحاكمة، حيث تكون متاحةً، تشكّل ضمانةً أساسيّةً لتصحيح الأخطاء القضائيّة. كما تعدّ طلبات الرّدّ والتّنحّي ومخاصمة القضاة ونقل الدّعوى من الوسائل التي ترمي إلى صون حياد القضاء وضمان استقلاله. غير أنّ فعاليّة هذه الوسائل تبقى مرتبطةً بحسن استعمالها وعدم تحويلها إلى أدواتٍ للمماطلة أو لتعطيل سير العدالة.
ويضاف إلى ذلك أنّ بعض الملاحقات قد تعترضها قيودٌ قانونيّةٌ خاصّةٌ تتمثّل في الحصانات والأذونات المسبقة. فهذه الحصانات لا تشكّل امتيازاتٍ شخصيّةً، وإنّما ضماناتٌ وظيفيّةٌ ارتبطت بطبيعة بعض المناصب والوظائف العامّة. ولذلك قد يشترط القانون الحصول على إذنٍ مسبقٍ أو اتّباع آليّاتٍ خاصّةٍ قبل مباشرة الملاحقة، الأمر الذي قد ينعكس على وتيرة الإجراءات دون أن يلغي مبدأ الخضوع للقانون أو المساءلة.
وقد أظهرت التّجربة القضائيّة اللبنانيّة، ولا سيّما في ملفّات الفساد والجرائم الماليّة وقضيّة انفجار مرفأ بيروت، أن ثمّة من يسيئون استعمال تلك الوسائل، والتي كان لها أثرٌ ضارٌّ ومعرقلٌ لسيرورة ملفاتٍ على قدر كبيرٍ من الأهميّة. لقد طرحت خلال تلك الملاحقات دفوعٌ متعلّقةٌ بالاختصاص والصّلاحيّة، وقدّمت طلبات ردٍّ وتنحٍّ ومخاصمةٍ ونقل دعوى، كما أثيرت إشكاليّاتٌ مرتبطةٌ بالحصانات والأذونات المسبقة. وأظهرت هذه الوقائع أنّ التّحدّي الحقيقي لا يكمن في وجود هذه الوسائل بحدّ ذاتها، بل في كيفيّة ممارستها، الأمر الذي يطرح وجوب إجراء تعديلات قانونيّة توفرت فرص إساءة استعمالها، بعد أن ثبت عجز الجسم القضائي عن تحقيق التّوازن بين ضمانات الدّفاع وحقّ المجتمع والمتضرّرين في الوصول إلى العدالة ضمن مهلٍ معقولة.
ونخلص من ذلك للقول إنّ الوسائل الإجرائيّة المتاحة للخصوم تشكّل أحد المرتكزات الأساسيّة للمحاكمة الجزائيّة العادلة. فهي ليست مجرّد أدواتٍ للدّفاع عن المصالح الفرديّة، بل آليّاتٌ قانونيّةٌ وضعت لضمان مشروعيّة الملاحقة وصحّة الإجراءات وحسن سير العدالة لا لتعطيلها. وأن الممارسة المتوازنة لهذه الوسائل من قبل المتضرّر والمدّعي الشّخصيّ والمدّعى عليه والمسؤول بالمال والضّامن، وتحت إشراف النّيابة العامّة ورقابة القضاء، وحدها القادرة على تحقيق التّوازن بين مقتضيات كشف الحقيقة وصون الحقوق والحرّيّات، بما يفضي في النّهاية إلى عدالةٍ فعّالةٍ وناجزة، ترسّخ سيادة القانون وتعزّز الثّقة بالقضاء.