محمد جارودي
تمثّل طُرقات المطارات وبوابات السفر في كل بلد المرآة التي تعكس ملامحه الأولى، والرسالة البدائية التي يقرأها القادم والمغادر عن هوية الأرض التي يطأها. لكن على طريق مطار بيروت، وامتداداً نحو الجنوب، ترتفع اليوم لافتات ضخمة تصدم العابرين بعبارة حاسمة: «شكراً لإيران الوفية». تقف هذه الكلمات هناك لتثير في نفس كل إنسان عاقل، يتأمّل مشهد وطنه بضمير حيّ ووعي واقعي، سيلاً من الأسئلة البديهية التي تتجاوز السجالات السياسية العقيمة لتلامس جوهر المنطق؛ فعلى ماذا الشكر بالضبط؟ وأي مفهوم للوفاء هذا الذي يُسقط على العلاقات بين الدول في عالمٍ لا تحكمه سوى لغة المصالح والاستراتيجيات العابرة للحدود؟
أمام هذا المشهد، يتسلل إلى أعماق النفس حزن عميق وحرقة لا حدود لها على ما آل إليه الحال، حزن يمتزج بالسؤال الأكثر إيلاماً: هل خسرنا حقاً لبنان الذي نعرفه؟ ذلك الوطن الذي كان منارة للثقافة والفكر، وواحة للانفتاح والكرامة الإنسانية، هل تبخّر وأصبح مجرد ذكرى بعيدة؟ إنه لشعور يبعث على الأسى والصدمة أن يرى المرء معالم وطنه تتبدّل، وهويته المصنوعة من حرية الكلمة والتنوّع تُصادر وتحلّ محلها ثقافة دخيلة على روحه، وكأن الوطن الذي نحبه وننتمي إليه قد ابتعد كثيراً، أو بات غريباً عنا في عقر دارنا.
إن قراءة هذا الواقع بعين مجردة من العواطف الموجهة تكشف أن الأوطان لا تُبنى بالشعارات، ولا تقتات شعوبها على بطاقات الامتنان المرفوعة في الفضاء العام، بل بالنتائج الملموسة التي تنعكس على حياة الناس واستقرارهم. وحين يلتفت المرء إلى حال البلاد اليوم، يجد وطناً يئنّ تحت وطأة انهيار اقتصادي غير مسبوق، ومؤسسات متآكلة، وعزلة خانقة تفصله عن محيطه الطبيعي وامتداده العربي والعالمي. وهنا يبرز السؤال الملحّ: هل كان هذا «الوفاء» المزعوم طوق نجاة انتشل البلاد من عثرتها، أم كان أداة لترسيخ نفوذ خارجي جعل من الساحة المحلية ورقة ضغط في بازار المفاوضات الكبرى، لتدفع البلاد ثمن صراعات لا ناقة لها فيها ولا جمل؟ فالقوى الإقليمية, مهما تبدّت في لبوس الكرم، لا تقدم هبات مجانية، بل تبحث دائماً عن استثمار يخدم أجنداتها الخاصة على حساب سيادة الدول الأضعف.
إن الغرابة لا تكمن فقط في مضمون هذه اللافتات، بل في كونها تصادر الفضاء المشترك وتفترض إجماعاً وطنياً غائباً، لتفرض رواية أحادية الجانب على وطن عُرف بتعدديته وتنوّعه. فالوفاء الحقيقي والوحيد الذي تحتاجه البلاد اليوم هو الوفاء للدولة ذاتها، ولمؤسساتها الدستورية، ولأمن مواطنيها وازدهارهم الاقتصادي. أما الإصرار على شكر جهات خارجية ووصفها بالوفاء في زمن الانهيار الشامل، فيبدو منفصلاً تماماً عن الواقع، أو كمن يقدم الثناء لمن يثبّت أركان الأزمة بدلاً من أن يمد يد العون الحقيقي للإنقاذ. إنها مفارقة حزينة تؤكد أن الهزال لم يصب فقط مفاصل السياسة والاقتصاد، بل طال أيضاً المعايير الفكرية والمنطقية. ومع ذلك، ورغم قتامة المشهد وعمق الجرح، يبقى الأمل والرجاء قائمين؛ فالخسارة لا تصبح كاملة إلا إذا استسلمنا، وما دام في الوطن أصوات عاقلة تأبى القبول بالتشويه، وتتمسّك بلبنان الحقيقي في ضمائرها وأقلامها، فإن الفجر لا بد أن يبدّد هذا الظلام الطارئ.