بيروت - لبنان

اخر الأخبار

25 حزيران 2026 12:00ص تفكيك العقدة

حجم الخط
منذ الاستقلال، عاش لبنان على تداعيات القضية الفلسطينية، «خاض غمارها وشرى وباعا»، مثل جواد عنترة. ومنذ ذلك التاريخ كانت الرماح تتكاثر عليه، فلا يعرف كيف يردّها. ويوما بعد يوم، صارت فلسطين تسيل إليها، جموعا ومخيمات وقرى وبلدات، وكان أهل الحكم يستقبلونها، بلا حذر، وتحت ضغوط عربية ودولية، بحيث اتّسع من الشمال إلى الجنوب لها. 
ويوما بعد يوم، كانت القضية تعظم في عيون أهلها، وفي عيون من إنصرفوا لها. فزادت الضغوط على لبنان، بمقدار الحروب التي شهدها. فنافت سنوات الحرب على سنوات السلم، وصار إنتاج الرئاسات، كما إنتاج الحكومات، كما الانتخابات كلها، تتم تحت أثقال «القضية». حتى باتت البلاد تعاني من الأمراض الشتى.
عاش اللبنانيون في ظروف الشرعيتين: شرعية الدولة، و«شرعية القضية». وكانت هذه الإزدواجية لمما أثقلت عليه، وجعلته يترنح في أمراضه طيلة العهود الماضية. فترى العهود تتوالى بأزماتها، حتى ضرب بلبنان المثل، بأنه بلد الأزمات المستعصية.
كانت العهود تستعير حلفائها، وكانت «القضية» تستعير حلفائها أيضا، حتى باتت البلاد صرّة من الأزمات، وفتحت على جميع الجهات، شرقا وغربا، فعرفت من الأنواء والرياح، ما لم تشهده أية بلاد أخرى. وبات لبنان عمود الرياح، بل قل هو أبو الرياح، فلا تظهر ريح في العالم إلّا تلقّفها، وباع وشرى فيها. اعتادت العهود على دعم مراكز القوى العربية و العالمية، واعتادت «القضية»، على دعم ما يقابلها كلها. وعاش هذا البلد الصغير، مثل الزورق الشراعي الخرب، الذي تضربه الأمواج العاتية، بحيث تصدع منه، ما ظل صحيحا وسالما.
جميع الحروب العربية، ترسبت في لبنان، وكان كل طرف يخرج منها خاسرا، يحرض على إستئناف الحرب من لبنان، ويسمّيها حرب فداء «القضية»، أو حرب إستنزاف لأجل «القضية»، حتى بات لبنان ملعب القوى اللاهية بالقضية. وشاع بين اللبنانيين نوعان من الحروب: الحرب لأجل الشرعية، والحرب لأجل «القضية» على حساب الشرعية.
ما ترك اللاعبون لعبة إلّا لعبوا بها، فالعهود شهية، و«القضية» أشهى. وصارت الأيام تجري على البلاد بين الشرعية و«القضية»، مثل أيام «داحس والغبراء»، بل مثل أيام العرب في الجاهلية، أو مثل أيام العرب في الإسلام، يصيحون على بعضهم بعضا، ويتضاربون بالخشب والتنك، من الصباح حتى المساء... 
عاش لبنان الحروب القيسية/ اليمنية كلها. وباتت لهذه الحروب مثل أسواق العرب: سوق عكاظ، وسوق المربد. وبرزت فيه أشعار الملاحم وأشعار النقائض. وبات كل يغنّي على ليلاه. وباتت البلاد من نوع سوق أبو رخوصة، أو سوق الخردة، وباتت حاراته وأحياؤه: من نوع حي التنك وحي اللجا وحي الكرنتينا وحي شرشبوك...
لبنان اليوم يعاني عقدة عربية ودولية مزمنة، وجد نفسه في جعبة عهد، نال إجماعا وطنيا، ووجد في المقابل، ظروفا دولية جديدة، وبرزت القوة الأعظم في العالم لتفكيك العقد. بادرت على طريقتها، في تفكيك الأوسط الكبير منذ «الربيع العربي». رحلت فلولا واستدعت فلولا، ووقفت تنادي على أذرعها، بإسقاط الأذرع الأخرى في المنطقة كلها.
وجد العهد الجديد نفسه، أمام مشهد جديد، لم يشهده غيره، طيلة الأزمنة الماضية. وجد البعثات التي هاجرت منذ عقود، تعود إليه، بهيئة سفراء ومبعوثين رئاسيين للقوة العظمى. أحسّ بالرسالة الجديدة وقرأها على طريقته، وبادر لتفكيك العقدة من دربها.
نوايا العهد سليمة في تفكيك العقدة. فمن يضمن نوايا القوة العظمى.
هو السؤال نفسه، الذي يختصر الطريق، بين المعادلات القاتلة: المسيّرات اليدوية، مقابل الطائرات الحربية الحديثة، والكيان الصلد، مقابل الدولة الهشّة، وإيران مقابل أميركا... في الزمن الأخرق...
فزع العهد هذه المرة إلى تفكيك العقدة بطريقة جديدة، لا على مقياس ريختر، ولا على طقس العرب، ولا على إتفاق 17 أيار، بل على تفكيك الصرّة كلها.
نادى على فتح صرّة هذا الزمن الغادر، حتى يخرج منها الحاوي والثعبان، فهل ينجو العهد؟ وهل ينجو معه لبنان؟..
ذلك هو لبّ المسألة!