يمكن وصف الحرب الدائرة بين جغرافيا إسرائيل و«الجغرافيا الشيعية» الممتدة على مساحة لا تقل عن نصف مساحة لبنان «بحرب رمضان» اللبنانية التي بدأت في 2 آذار (خلال شهر الصيام) مع بدء الهجمات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران، والتي أدت في اليوم الأول الى اغتيال المرشد علي الخامنئي ومجموعة من كبار قادة الحرس الثوري والأمن والدفاع في الجمهورية الإيرانية، خلال إجتماع كان يترأسه آية الله الخامنئي في إطار وضع الخطط الدفاعية عن الدولة والنظام ضد واحدة من أشرس الهجمات التي تتعرض أو تعرضت لها على مدى تاريخها منذ 47 عاماً، هو عمر الثورة الإسلامية في هذا البلد الشاسع المساحة ما يقرب من مليون كلم2، والغني بثرواته النفطية والغازية والزراعية والسمكية، وبموانئه التي جعلت إيران تحتل موقعاً خاصاً في قلب آسيا الكبرى، أي القارة التي تشمل الشرق الأوسط وآسيا البعيدة (الصين والهند، وماليزيا، واليابان وغيرها).
لعلّ الحرب الدائرة منذ ثمانية أيام هي واحدة من أكثر الحروب تأثيراً على مجريات المستقبل بكل حيثياته، من الجيوبوليتكا، الى الإيكومينكس (الإقتصاد) الى تموضع المجموعات الإتنية والعرقية والدينية في الشرق، وعبر العالم ككل..
من زاوية ما يمكن وصف الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، بحرب دينية، فإن الهجوم البرتستنتي - اليهودي ضد مركزية الشيعة في العالم، من شأنه أن يحول دون الصعود الشيعي مجدداً، عبر القومية الفارسية، أو سواها من أخذ دور ما تحت سماء الأسلحة البالستية، والصناعات البتروكيماوية وصولاً الى اليورانيوم والطاقة النووية، لأية أغراض كانت..
بهذا المعنى، فإن الرئيس الأميركي، وهو يتجاوز عقده الثامن، يقف على رأس الهجوم، ليس بوصفه رئيساً لدولة عظمى تترتَّب عليها مسؤوليات في حفظ السلم والأمن الدولي، بل بوصفه جنرال حرب، تجاوز بصلفه سلوكيات أدولف هتلر الديكاتور النازي الألماني، ويتحرك بنوازع غير مفهومية، ولكن يغلب عليها الطابع العدواني، الإبادي، المملوء بالغرور والعدوانية وسائر ضروب العنجهية والطمع بالثروات، يتصرف، غير عابئ بالقوانين والأعراف والعلاقات الدولية، وكأن العالم ملك له، وهو وحده الذي له سلطة التصرف بالثروات والحكومات والدول والشخصيات وحدود ما هو مسموح به، وهو ممنوع على طريقة الفراعنة، أو ملوك الهكسوس، وشعوب بربرية، غير حضارية، عبثت على مسرح التاريخ البشري في القرون العشرينية التي مضت..
وعلى الضفة الأخرى، من المحور الذي يمكن تسميته بمحور الإستبداد والطغيان، يقف بنيامين نتنياهو، وفي خلفية نصوص من العهد القديم، تتحدث عن موطئ قدم عبرية، في دول العرب المستقلة، من لبنان الى العراق والصحراء العربية الكبرى والأردن، ومصر الفرعونية أيضاً، فضلاً عن فلسطين كل فلسطين..
أتاحت التكنولوجيا الذرية، إضافة الى تكنولوجيا الإتصالات، من الأقمار الاصطناعية الى «الذكاء الإصطناعي» وأجيال أخرى من تكنولوجيا الحرب، فضلاً عن المسيَّرات القتالية، أو الانقضاضية، وحاملات الطائرات السيطرة من الأجواء قبل البر والبحر على «المواقع العدوة» أي الدول التي تستهدف، من دول إغفال الإنتشار الحطير لظاهرة «العملاء السريِّين» الذين يقدِّمون الخدمات المعلوماتية والإستخباراتية للعدو، قبل الضربات وبعدها.. أتاحت كل هذه العوامل الفرصة للأكثر تفوقاً بالتحكم في الميدان، والإمعان في القتل، والتدمير والإبادة، بعيداً عن قيم الغرب الصناعي قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها..
في الوصف الواقعي أيضاً.. أن التجمعات الدينية، تخطت بانتماءاتها البُعد الوطني أو القومي، وذهبت باتجاه وحدة العقيدة الدينية، من قم الى جبل عامل، وصولاً الى مشهد وسائر المدن الإيرانية مروراً بالعراق ومراكز انتشار الشيعة في الشرق الأوسط الكبير.
من هذه الوجهة، ارتبط شيعة لبنان بمرجعية دينية خارج الإطار المحلي والوطني، فإذا كان احتلال لبنان عام 1982 لإخراج منظمة التحرير الفلسطينية منه، انتقل شيعة لبنان من الجنوب الى البقاع الى العمل المسلح والعسكري، وحدث الإرتباط المصيري مع إيران الجمهورية، ومرجعية «الولي الفقيه» وما تعني تلك المرجعية من سيطرة على الأتباع..
التقت جملة الإنتماءات والمصالح فوق أرض لبنان، وسمائه منذ الثمانينات، في دورة جديدة، من خلال قوى مكان قوى أخرى، وصارت مقاومة الإحتلال «هدفاً نبيلاً» في وقت من الأوقات، إلى أن جاءت أحداث 7 ت1 2023، وحدث ما حدث من «طوفان الأقصى» الى جهات الإسناد، والخسائر الماحقة التي تعرض له بعض مفاصل محور «الممانعة» أو المقاومة، من سقوط نظام بشار الأسد إلى وضع غزة تحت «وصاية مجلس السلام» الذي يرأسه الرئيس ترامب شخصياً، إلى جملة الإغتيالات القاتلة.
(تبدَّل المشهد في لبنان، وانتقلت السلطة المقررة من محور الى محور، وبدا الأميركيون من مورغن أورتاغوس (الدبلوماسية العاشقة) الى روبيو وزير الخارجية جنرالات حرب يأمرون وينهون، فضلاً عن الدبلوماسي، رجل الصفقات توم براك (الذي قيل أنه يتحدَّر من أصول لبنانية).
طارت القاعدة الذهبية (جيش وشعب ومقاومة)، وأصبحت المقاومة، أو حزب الله محصورة في بيئتها أو «الجغرافيا الشيعية»).
ضمن متغيرات متعددة، وفي ظروف لم تكن في حسبان أحد، يفرض حزب الله واحدة من أكبر حروبه، وأصعبها، وأخطرها من الناحية المصيرية، لتطرح المتغيرات والحرب، أسئلة بالغة الجدية حول اليوم التالي، لاسترار الحرب أو توقفها، وحول صيغة لبنان الجديدة، سواء ربح حزب الله من الحرب الجارية، أو مُنِيَ بانتكاسات جديدة، لكن صورة التبدلات تبقى في عالم الغيب والكتمان.