بيروت - لبنان

اخر الأخبار

23 حزيران 2026 12:28ص حرية التعبير بين قدسية الحق وخطر التحريض

حجم الخط
د رشا أبو حيدر

تُعدّ حرية التعبير من أهم الحقوق التي قامت عليها المجتمعات الحديثة، فهي ليست مجرد وسيلة للتعبير عن الرأي، بل هي ضمانة لمشاركة الإنسان في الحياة العامة، وممارسة دوره في نقد السلطة، ومناقشة القضايا التي تمسّ المجتمع. فالمجتمع الذي يسمح بتعدد الأصوات هو مجتمع قادر على التطور، لأن الأفكار تُواجه بالأفكار، لا بالمنع والإقصاء.
وقد كرّس الدستور اللبناني هذه الحرية، إذ نصّت المادة 13 من الدستور اللبناني على أن:
«حرية إبداء الرأي قولاً وكتابة وحرية الطباعة وحرية الاجتماع وحرية تأليف الجمعيات كلها مكفولة ضمن دائرة القانون».
كما أكدت مقدمة الدستور التزام لبنان بمبادئ حقوق الإنسان والحريات العامة، ومنها حرية الرأي والتعبير.
لكن حرية التعبير، رغم مكانتها الأساسية، لا تعني أن كل قول يصبح محمياً دون حدود، لأن الحرية في دولة القانون ترتبط دائماً بالمسؤولية. فالكلمة قد تكون وسيلة للتنوير والحوار، وقد تتحوّل إلى وسيلة للتحريض عندما تهدف إلى نشر العداء أو الدعوة إلى التمييز أو العنف ضد فئة معينة.
وهنا يظهر مفهوم خطاب الكراهية، الذي يجب التعامل معه بدقة قانونية. فليس كل رأي صادم أو انتقاد قاسٍ أو فكرة غير مقبولة اجتماعياً تُعد خطاب كراهية؛ إذ يبقى الاختلاف والنقد ضمن دائرة الحرية. أما عندما يتضمن الخطاب تحريضاً مباشراً أو فعلياً على التمييز أو العنف أو الاعتداء على حقوق الآخرين، فإنه ينتقل من مجال الرأي إلى مجال الخطر القانوني.
وفي هذا الإطار، يتدخل القانون لحماية التوازن بين الحرية والنظام العام. فقد نصّ قانون العقوبات اللبناني، ولا سيما المادة 317، على تجريم الأفعال والأقوال التي من شأنها إثارة النعرات الطائفية أو العنصرية أو تهديد الوحدة الاجتماعية، لأن حماية السلم الأهلي تُعد من مسؤوليات الدولة.
أما على المستوى الدولي، فقد أكدت المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حق كل إنسان في حرية الرأي والتعبير، كما كرّست المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية هذا الحق، مع السماح بقيود محددة يفرضها القانون لحماية حقوق الآخرين أو الأمن أو النظام العام.
وفي المقابل، جاءت المادة 20 من العهد الدولي لتمنع الدعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية عندما تشكّل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف.
لكن الإشكالية الأساسية لا تكمن فقط في وجود القواعد القانونية، بل في كيفية تطبيقها. فالتوسع في تفسير خطاب الكراهية قد يؤدي إلى قمع حرية التعبير وتحويل القانون إلى وسيلة لإسكات المعارضة أو منع النقاش العام، بينما التساهل معه قد يفتح الباب أمام انتشار خطاب يهدد السلم الاجتماعي.
وفي لبنان، تزداد حساسية هذا الموضوع بسبب الطبيعة المتنوعة للمجتمع، حيث يصبح الحفاظ على الوحدة الوطنية ومنع التحريض أمراً ضرورياً، لكن ذلك يجب ألا يتحوّل إلى تقييد للنقاش السياسي أو الفكري المشروع.
كما أن وسائل التواصل الاجتماعي فرضت تحديات جديدة، إذ أصبح انتشار خطاب الكراهية أسرع وأكثر تأثيراً، ما يتطلب وعياً مجتمعياً ومسؤولية قانونية في التعامل مع المحتوى المنتشر، مع الحفاظ على مبدأ أن الحرية هي الأصل وأن القيود هي الاستثناء.
ومن التحديات العالمية أيضاً اختلاف معايير التعامل مع خطاب الكراهية، حيث تثار أحياناً تساؤلات حول الانتقائية في تطبيق المفهوم، مما يجعل الحاجة ضرورية إلى معايير قانونية واضحة وموحدة بعيداً عن الحسابات السياسية.
إن دولة القانون لا تحمي فقط الكلمات التي نحب سماعها، بل تحمي حق الإنسان في التعبير، وفي الوقت نفسه تمنع تحويل التعبير إلى أداة لإلغاء الآخر أو تهديد كرامته.
الحرية التي لا ترافقها مسؤولية قد تتحوّل إلى فوضى، والمسؤولية التي تلغي الحرية تتحوّل إلى قيد؛ وبينهما يبقى القانون هو الميزان الذي يحفظ للإنسان حقه وكرامته.