المحامي شكري حداد
إنتصرنا؟
ما معنى الانتصار أصلاً؟ ومن يملك حق إعلانِه؟
في كل حرب، تتكرّر العبارة ذاتها: «لقد انتصرنا». لكن قلّما نتوقّف لنسأل: ما هو معيار هذا الانتصار؟ هل يُقاس بعدد القتلى؟ أم بالأرض التي بقيت أو فُقدت؟ أم بقدرة الناس على البقاء أحياء؟
هل الصمود انتصار؟
وهل خسارة الأرض والبيوت والأحياء، ودمار المدن، يمكن أن يُسمّى انتصاراً؟
في العلوم العسكرية والسياسية، لا يُقاس الانتصار بالشعارات، بل بثلاثة معايير أساسية:
أولاً، الانتصار العسكري: ويتمثّل في تدمير قدرات العدو، والسيطرة على الأرض، وفرض واقع ميداني جديد. ووفق هذا المعيار، فإن أي احتلالا لأرض يُعدّ، بحد ذاته، مكسباً عسكرياً.
وبالتالي إحتلال الأرض الحاصل اليوم في الجنوب مكسب عسكري لإسرائيل.
ثانياً، الانتصار السياسي: وهو الأهم. ويُقاس بمدى تحقيق الهدف الذي بدأت الحرب من أجله. فإذا كانت غاية الحرب نزع سلاح حزب الله، ولم يتحقق ذلك، فلا يمكن القول إن إسرائيل حقّقت انتصاراً سياسياً. أما إذا كان الهدف تغيير ميزان القوى، فيمكن القول إن هذا الهدف لم يتحقق بالكامل، وإن كانت هناك مؤشرات على تحوّلات جزئية.
ثالثاً، الانتصار المعنوي أو الرمزي: وهو الأكثر حضوراً في الخطاب الإعلامي. يتمثّل في الصمود، والحفاظ على الهوية، وعدم الانهيار.
لكن الصمود، رغم أهميته، ليس انتصاراً بحد ذاته. هو شرط للبقاء، لا دليل على الغلبة.
في لبنان، صمد الناس. وهذا لا يمكن إنكاره. لولا التضامن بين اللبنانيين، لكانت الكلفة الإنسانية أكبر بكثير. لكن في المقابل، خسر لبنان أرضاً، وتعرّض لدمار واسع، وتراجعت أوضاعه الاقتصادية، واهتزّ موقعه السياسي.
نحن، في الحقيقة، أمام حالة لا يمكن وصفها بانتصار. ما حصل أقرب إلى ما يُعرف في أدبيات الحروب بـ«منع الهزيمة الكاملة»، لا تحقيق النصر.
مع الوصول إلى وقف إطلاق النار، يُفترض أن يكون ذلك بداية للعودة إلى الحياة، لا إلى استمرار منطق الحرب. فالناس ليست توّاقة إلى الرصاص، بل إلى الصمت بعد الضجيج، إلى يوم لا يُقاس فيه الوقت بين جدار صوتٍ وآخر، ولا بين قذيفة وأخرى.
غير أنّ المفارقة المؤلمة هي أنّ وقف النار لم يأتِ بوقفٍ للخسائر. فاستقبل بإطلاق نار أزهق أرواحاً، وكأنّ الحرب ترفض أن تنتهي بهدوء وكأنّ من أراد الحرب أبى أن يوقفها حتى بعد الهدنة.
وإذا كان لا بدّ من احتفال، فليكن احتفالاً صادقاً: احتفالاً بالصمود، لا بادّعاء النصر. لكن حتى هذا الصمود، لم يعد يحتمل أن يُختبر مجدّداً تحت وابل الرصاص.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إشكالية: على من انتصر كل طرف؟
إذا لم تتحقق الأهداف، وإذا كانت الكلفة بهذا الحجم، فهل يكفي أن نصمد لنقول إننا انتصرنا؟ أم أن تكرار هذه العبارة يخفي عجزاً عن مواجهة الحقيقة كما هي؟
ورغم كل الاستفزازات، ورغم أصوات التهديد والرصاص، لم ينزلق اللبنانيون إلى اقتتال داخلي جديد. هذا الامتناع ليس ضعفاً، بل خياراً واعياً. هو تمسّك بفكرة الدولة، وإدراك عميق بأنّ أي انقساماً داخلياً لن يكون سوى هزيمة إضافية للجميع.
الذين رفضوا العنف لم يردّوا على الفوضى بالفوضى، ولا على السلاح بالسلاح، بل اختاروا أصعب الطرق: ضبط النفس، والرهان على الدولة، حتى في لحظات ضعفها. وهذا بحد ذاته شكل من أشكال المقاومة المدنية، التي لا تقلّ أهمية عن أي مواجهة أخرى.
فالانتصار الحقيقي يكون حين تقوم الدولة بدورها كاملاً، قولاً وفعلاً. حين يلتزم اللبنانيون بواجباتهم، ويُحصر القراران الأمني والعسكري بالمؤسسات الشرعية وحدها، دون استثناء أو ازدواجية.
يتجلّى الانتصار في ترسيخ الانتماء إلى الدولة، وفي توحيد المعايير بين جميع اللبنانيين، وفي تطبيق القوانين والقرارات الرسمية دون مواربة. كما يتجلّى في إطلاق مسار محاسبة واضح وصريح، يشمل كل الجرائم والانتهاكات المرتكبة بحق الشعب اللبناني، وفقاً للأصول القضائية، بما يكرّس مبدأ العدالة ويؤكّد خضوع الجميع لسلطة القانون.
ويتحقّق أيضاً بتعزيز قدرات الجيش اللبناني، ليكون الجهة الوحيدة القادرة على حماية الأمن والدفاع عن البلاد، ومنع أي وجود أو تحرّك عسكري خارج إطار الشرعية، داخلياً كان أم خارجياً، دون تبرير أو استثناء.
ويبقى الامتحان الأهم: أن يشكّل وقف إطلاق النار نقطة انطلاق لمسار إصلاحي فعلي وشامل، يعيد بناء الدولة ويصون كرامة المواطن على هذه الأرض.
الانتصار ليس شعاراً يُرفع، بل نتيجة تُقاس. وبين الصمود والخسارة، مساحة رمادية لا يجوز إنكارها.