في الحروب لا تُقصف المدن وحدها بل تُقصف أيضًا البنى النفسية التي تحمي المجتمعات. الإنسان لا يحتاج فقط إلى جدران وسقوف بل يحتاج إلى شعور داخلي بأن هناك سلطة تحرسه وتراه وتسمع صوته… عندما تتآكل هذه السلطة أو تختفي يصبح المجتمع مكشوفًا نفسيًا قبل أن يكون مكشوفًا عسكريًا! في لبنان اليوم يعيش كثير من الناس هذا النوع من الانكشاف. الخطر حاضر والتهجير يتكرر والتهديدات تتوالى والقصف يقتحم الحياة اليومية… لكن ما يزيد وطأة المشهد هو شعور متنامٍ بأن الدولة اللبنانية غائبة عن لحظة الخطر وهذا الغياب لا يترك فراغًا سياسيًا فحسب بل يفتح أيضًا فراغًا نفسيًا عميقًا…
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا بسيط وصادم في الوقت نفسه، ماذا يحدث عندما يشعر المواطن بأن الدولة التي يفترض أن تحميه لم تعد تخاطبه أصلًا؟! ماذا يحدث عندما تتعرض المدن للقصف ويعيش الناس بين النزوح والقلق بينما خطاب الدولة اللبنانية يكاد يغيب عن وجدانهم اليومي؟!!
في علم النفس السياسي تُفهم الدولة غالبًا بوصفها ما يمكن تسميته بالأب الرمزي للمجتمع... ليست المسألة أخلاقية بل بنيوية، فالدولة تمثل المرجعية العليا للحماية والمعنى و عندما يتعرض المجتمع لتهديد خارجي يفترض أن يتجه شعور الناس نحو هذه السلطة طلبًا للأمان والتنظيم والطمأنينة… لكن عندما يشعر المواطن بأن الدولة اللبنانية عاجزة عن طمأنته أو حتى عن مخاطبته يبدأ شيء ما بالتصدع في البنية النفسية الجماعية… الإنسان بطبيعته لا يحتمل الفراغ طويلًا، وعندما يتشكل هذا الفراغ يبدأ العقل الجمعي بالبحث عن أي صوت آخر يملأه….
وهنا يبرز سؤال أكثر إرباكًا، ماذا يحدث عندما يأتي هذا الصوت من الجيش الإسرائيلي نفسه؟؟؟
حاليًا وفي هذه الأيام يظهر خطاب إسرائيلي مباشر موجه إلى اللبنانيين عبر الاتصالات الهاتفية والمنشورات ومقاطع الفيديو المنتشرة على وسائل التواصل…الجيش الإسرائيلي لا يخاطب الدولة اللبنانية بل يتوجه مباشرة إلى الشعب اللبناني…نعم إنه يتوجه إلينا!!! في هذه الرسائل يتحدث عن الحرية والسيادة اللبنانية وعن حماية المدنيين وعن ضرورة التخلص من الإرهاب وعن الخوف على اللبنانيين الذين يقول إن حزب الله يستخدمنا دروعًا بشرية... هذه ليست مجرد عبارات سياسية ،إنها كلمات تمس مناطق حساسة في الوعي اللبناني لأنها كلمات نشعر جميعنا أننا فقدناها في حياتنا اليومية!
هنا يظهر سؤال مدوٍ… لماذا يستخدم الجيش الإسرائيلي لغة تشبه لغة الدولة التي يفترض أن تحمي اللبنانيين؟!!
في التحليل النفسي للحروب لا يُنظر إلى هذه الرسائل على أنها مجرد دعاية…إنها جزء من حرب نفسية دقيقة، فالخطاب الإسرائيلي لا يحاول فقط تبرير عملياته العسكرية بل يسعى إلى التسلل إلى منطقة نفسية حساسة داخل المجتمع اللبناني... عندما يسمع المواطن كلمات مثل السيادة والحرية وحماية المدنيين من جهة خارجية بينما يشعر بأن هذه المفردات غائبة عن خطاب دولته يبدأ لا شعوريًا في الإصغاء… ليس لأن الناس يثقون بالجيش الإسرائيلي بل لأن العقل البشري يتجه غريزيًا نحو أي خطاب يمنحه شعورًا أوليًا بالأمان!!
لكن الأمر لا يتوقف عند حدود اللغة… لان الجيش الإسرائيلي يذهب أبعد من ذلك، فهو يدعو اللبنانيين إلى التواصل معه ويعدهم بالسرية والخصوصية ويقول إنه مستعد لسماع مشكلاتهم... هنا ندخل إلى منطقة شديدة الحساسية من الناحية النفسية… في علم النفس يكفي أحيانًا أن يشعر الإنسان بأن هناك من يسمعه حتى ينخفض مستوى توتره… الإصغاء ليس تفصيلًا بسيطًا بل أداة تأثير قوية جدًا! عندما يشعر المواطن أن جهة خارجية تفتح له قناة تواصل مباشرة بينما تبدو قنواته الداخلية مغلقة يبدأ ميزان الشعور بالاهتمام بالاختلال…
وهنا يبرز السؤال الأخطر يا أعزائي القراء…ماذا يحدث عندما يبدأ الجيش الإسرائيلي بالظهور في المخيلة العامة كطرف يسمع الناس أكثر من دولتهم؟!
في الحروب الطويلة يمكن أن يحدث تحول بطيء داخل بعض العقول… صورة الجيش الإسرائيلي لا تتحول إلى صديق بطبيعة الحال لكنها قد تنتقل داخل بعض التصورات الفردية من صورة العدو المطلق في الوعي التاريخي إلى صورة الخصم الذي يمكن فهمه أو التعايش مع وجوده… هذه التحولات لا تعني تغيرًا في الانتماء الوطني لكنها تعكس آلية دفاع نفسية لدى الإنسان المرهق من الخوف واللايقين.
عندما يعيش المجتمع تحت ثلاثة ضغوط متزامنة يصبح أكثر هشاشة أمام هذا النوع من الخطاب… الخوف المزمن الناتج عن القصف والتهديد بالإضافة الى الشعور بغياب حماية الدولة اللبنانية...وظهور خطاب إسرائيلي يقدم نفسه بوصفه صوتًا يسمع معاناة الناس! عند التقاء هذه العناصر يبدأ بعض الأفراد في إعادة تفسير الواقع بطرق مختلفة…
وهنا نصل إلى سؤال دقيق لا يمكن تجاهله…. كيف تتولد ظاهرة العمالة داخل المجتمعات في زمن الحروب؟
الإجابة في كثير من الأحيان ليست كما يتخيلها الناس... العمالة لا تولد دائمًا من الخيانة الأيديولوجية بل قد تنشأ أحيانًا من الخوف ومن الرغبة في حماية العائلة أو البحث عن مخرج شخصي من حالة العجز... عندما يشعر الإنسان بأن حياته مهددة وأن دولته لا تملك القدرة على حمايته يصبح أكثر قابلية لأي خطاب يعرض عليه الأمان حتى لو كان مصدره الجيش الإسرائيلي الذي يبقى في نهاية المطاف طرفًا في الصراع…
لهذا السبب فإن ما يجري اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية بين إسرائيل وحزب الله داخل الأراضي اللبنانية... هناك أيضًا معركة أخرى أقل ضجيجًا لكنها شديدة الخطورة! إنها معركة على الوعي وعلى الصورة الذهنية وعلى سؤال بسيط في ظاهره لكنه عميق في نتائجه…
من هو الحامي في نظر الناس؟ من يسمع المواطن اللبناني عندما يخاف؟ ومن يملك لغة السيادة والحرية في المخيلة العامة؟!!!
هذه الأسئلة ليست نظرية ولا حتى خطابية… إنها جزء من معركة النفوذ في زمن الحروب الحديثة... عندما تخسر الدولة اللبنانية قدرتها على احتلال المساحة النفسية في وجدان مواطنيها تصبح المجتمعات أكثر عرضة لأي خطاب خارجي مهما كان مصدره…
لبنان اليوم لا يواجه فقط تحديات أمنية أو عسكرية... هناك أيضًا تحدٍ نفسي يتعلق بقدرة الدولة اللبنانية على استعادة موقعها الرمزي في وجدان مواطنيها... المجتمعات تستطيع أن تتحمل الحروب لكنها تحتاج إلى شعور بأن هناك دولة ترى معاناتها وتخاطبها وتحميها… عندما تستعيد الدولة هذا الدور يصبح المجتمع أقل قابلية لأي خطاب صادر عن الجيش الإسرائيلي مهما حاول التسلل إلى العقول! أما إذا طال الفراغ فإن الحرب النفسية تجد طريقها بسهولة إلى النفوس المتعبة وعندها يصبح الدفاع عن لبنان ليس فقط دفاعًا عن الأرض بل دفاعًا عن وعي شعبه أيضًا…
كم من لبناني اليوم لا يريد لا إسرائيل ولا إيران ولا حتى فلسطين ولا سوريا ولا أي دولة أخرى تتدخل في شؤونه…
لا يريد دويلة ولا سلاحًا ميليشيويًا…
بل يريد الدولة فقط، الدولة اللبنانية!!!
يريد جيشه فقط…
لماذا عليّ أنا، كامرأة لبنانية، أن أستمع بإنصات إلى صوت يتحدث العربية بلكنة مكسّرة كي أعرف كيف أتصرف وأين أتجه؟
وفي الوقت نفسه يخاطبني آمر المخفر باستهزاء:
«شو بدكِ ياني أعمل يعني مدام؟ إذا خايفة… اخلي!»
و يبقى سؤال لا يمكن تجاهله:
ماذا نفعل بكل هذا القلق المتراكم في النفوس بعد الحروب؟
حين يفقد الإنسان حتى منزله كمساحة أمان، وتنهار الـ safe place التي كانت تحمي توازنه النفسي…
من سيتكفّل بهذا الجرح النفسي الجماعي؟ وأين هي وزارة الصحة من مسؤولية ترميمه…
«شو بدنا نعالج لنعالج؟!»
قرّائي الأعزاء، دمتم سالمين في وطن يحلم بالسلام…
(*) معالجة نفسية و كاتبة
في علم النفس العيادي،التربوي و السياسي