في ظل التصعيد الإسرائيلي على الجبهة الجنوبية، تتكثف الرسائل السياسية الصادرة عن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لتضع حدّاً لحالة الالتباس التي رافقت الحديث عن احتمالات لقاءات مباشرة مع الجانب الإسرائيلي. وفي هذا السياق، يبرز موقف رئيس الجمهورية حاسماً لجهة نفي أي توجه للقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مؤكداً أن المسار القائم يندرج حصراً ضمن إطار الوساطة الدولية، ولا سيما الأميركية، بهدف التوصل إلى هدنة شاملة تعيد الاستقرار إلى لبنان.
هذا الموقف لا يمكن فصله عن الواقع الميداني، حيث لا يزال الجنوب اللبناني يعيش تحت وطأة الاحتلال والتصعيد العسكري الإسرائيلي المستمر، فالحرب لم تتوقف رغم الإعلان عن هدنة تمتد لثلاثة أسابيع، ما يجعل أي طرح لمفاوضات مباشرة أمراً بالغ الحساسية داخلياً، خصوصاً في ظل الانقسام السياسي والتباين في مقاربة ملف الصراع مع إسرائيل.
من هنا، تبدو أولوية رئيس الجمهورية واضحة: الحفاظ على السلم الأهلي كخط أحمر لا يمكن تجاوزه. فلبنان، الذي يقوم على توازنات دقيقة بين مكوناته الطائفية والمذهبية، لا يحتمل مغامرات سياسية قد تعيد إنتاج الانقسامات أو تفتح الباب أمام توترات داخلية. وفي هذا الإطار، يحرص الرئيس عون على التأكيد أن أي خطوة سياسية أو تفاوضية يجب أن تنطلق من مصلحة وحدة اللبنانيين، لا من حسابات ظرفية أو ضغوط خارجية.
إن التشديد على العيش المشترك لدى رئيس الجمهورية لا يأتي فقط كعنوان إنشائي، بل كخيار استراتيجي لحماية الكيان اللبناني في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد، فالتطورات في المنطقة، في جنوب لبنان، مروراً بالكباش الإيراني - الأميركي، تضع لبنان أمام تحدّيات مصيرية، تتطلب إدارة دقيقة ومتوازنة. وعليه، فإن تمسّك رئيس الجمهورية بوحدة الداخل يشكل صمام أمان في مواجهة أي اهتزازات محتملة.
في المقابل، تطرح مسألة التفاوض مع إسرائيل نفسها كأحد أكثر الملفات حساسية. فبين من يرى ضرورة الاستفادة من الوساطات الدولية لتحقيق مكاسب ميدانية أو تثبيت حقوق لبنان، وبين من يخشى الانزلاق نحو تطبيع غير مباشر، يبقى الغياب الواضح لموقف رسمي موحّد أحد أبرز نقاط الضعف اللبنانية. وهنا تحديداً تبرز الحاجة الملحّة إلى مقاربة وطنية جامعة.
إن الدعوة إلى جلوس الرؤساء الثلاثة حول طاولة واحدة لم تعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة وطنية ملحّة. فرئيس الجمهورية، ورئيس مجلس النواب، ورئيس الحكومة، مطالبون اليوم أكثر من أي وقت مضى بتنسيق مواقفهم، وصياغة رؤية مشتركة تحدّد سقف التفاوض وشروطه وأهدافه. فالتشتت في المواقف لا يضعف فقط موقع لبنان التفاوضي، بل يفتح المجال أمام القوى الخارجية لفرض إيقاعها على القرار اللبناني.
فالتاريخ القريب يظهر بوضوح أن أي إنجازا وطنيا تحقق في لبنان كان نتيجة توافق داخلي، ولو بالحد الأدنى. أما الانقسامات، فقد كانت دائماً مدخلاً للأزمات، وأحياناً للانفجارات، وبالتالي، فإن توحيد الموقف في ملف بحجم التفاوض مع إسرائيل، يشكّل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة اللبنانية على إدارة شؤونها السيادية.
لا شك أن الوساطة الأميركية تلعب دوراً محورياً في المرحلة الراهنة، إلّا أن نجاحها يبقى مرتبطاً بمدى قدرة اللبنانيين على تحديد مصالحهم بوضوح. فالتفاوض من موقع الضعف أو الانقسام لا يؤدي إلّا إلى نتائج هشّة، سرعان ما تنهار أمام أول اختبار. أما التفاوض من موقع الوحدة، فيمنح لبنان فرصة حقيقية لانتزاع حقوقه، أو على الأقل تثبيت قواعد اشتباك أكثر استقراراً.
من هنا، يمكن قراءة موقف الرئيس عون كجزء من محاولة لإعادة ضبط البوصلة السياسية، ومنع الانزلاق نحو خيارات غير محسوبة. فرفض اللقاء المباشر مع نتنياهو ليس مجرد موقف تكتيكي، بل يعكس إدراكاً عميقاً لتعقيدات الداخل اللبناني، وحساسية أي خطوة قد تُفسَّر كتنازل أو تغيير في الثوابت.