د. حسين محمود رمال (*)
ليست المقاومة في جوهرها مجرد أداة صراع، بل هي تعبير مركّب عن إرادة الوجود، وعن الحق الطبيعي والقانوني في آنٍ معًا في صون الكيان واستعادة السيادة. فهي، من منظور فلسفي، تجلٍّ حيّ لفكرة الحرية حين تُهدَّد، ومن منظور قانوني، امتدادٌ مباشر لمنظومة دولية كرّست حق الشعوب في تقرير مصيرها ومقاومة الاحتلال. وبين هذين البعدين، يتشكل مفهوم المقاومة بوصفه حقًا مشروعًا، لا يُقاس فقط بنتائجه، بل بمدى انضباطه ضمن غايته: التحرير، وحدوده: حماية الدولة لا تقويضها.
في الحالة اللبنانية، تتجاوز المقاومة بعدها التحرري لتغدو مسألة كيان. فلبنان، بتكوينه التعددي، ليس ساحةً محايدة لتجارب القوة، بل هو بنية دقيقة التوازن، تجعل من أي فعل مقاوم مسألةً تتصل مباشرةً بوحدة الداخل بقدر ما تتصل بمواجهة الخارج. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تأصيل فلسفي–قانوني يعيد ضبط العلاقة بين المقاومة وحق تقرير المصير، ويمنع انزلاقها من فضاء الحق إلى مخاطر الإفراط أو سوء التقدير.
أولًا: التأصيل القانوني للمقاومة في منظومة تقرير المصير والدفاع الشرعي
يستند حق المقاومة، في بنيته القانونية، إلى ما كرّسه ميثاق الأمم المتحدة، وتحديدًا:
المادة 1 (الفقرة 2): التي نصّت على "إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها”.
المادة 2 (الفقرة 4): التي حظرت استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة.
المادة 51: التي أقرت "الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدى عليهم اعتداء مسلح”.
إن القراءة المتكاملة لهذه النصوص تكشف أن المقاومة ليست خروجًا على الشرعية الدولية، بل هي، في حال الاحتلال، أحد تجلياتها. فحظر استخدام القوة لا ينصرف إلى الشعوب الواقعة تحت الاحتلال، بل إلى الدول المعتدية، بينما يبقى حق الدفاع – بصيغته الفردية والجماعية – قائمًا بوصفه تعبيرًا عن بقاء الدولة وحقها في الوجود.
ثانيًا: البعد الفلسفي للمقاومة بين إرادة الحرية وحدود الدولة
إذا كان القانون يمنح المقاومة مشروعيتها، فإن الفلسفة تمنحها معناها. فالمقاومة، في جوهرها، ليست فقط ردّ فعل على احتلال، بل هي فعلٌ وجودي يعبّر عن رفض الإخضاع. غير أن هذا الفعل، إذا لم يُضبط، قد ينقلب من وسيلة تحرير إلى مصدر اختلال.
وهنا تبرز الإشكالية المركزية: كيف يمكن لفعلٍ مشروع في أصله أن يتحول إلى عبء في مآلاته؟
الجواب يكمن في التمييز بين الحق وإدارته. فالحق ثابت، أما إدارته فخاضعة للعقل السياسي ولتقدير المصلحة الوطنية العليا.
ثالثًا: خصوصية الحالة اللبنانية ومعادلة التوازن الداخلي
في لبنان، لا تُمارَس المقاومة في فراغ، بل داخل كيان تعددي يقوم على توازنات دقيقة. وهذا ما يفرض معادلة مزدوجة:
مقاومة الاحتلال وصون السيادة،
والحفاظ على وحدة الداخل ومنع التصدّع.
إن غنى لبنان في تنوعه ليس مجرد سمة ثقافية، بل هو عنصر تأسيسي في استمراره كدولة. وعليه، فإن أي فعل مقاوم يخرج عن هذا التوازن، مهما كانت مشروعيته الأصلية، قد يهدد البنية التي يُفترض أن يحميها.
رابعًا: إنجازات التحرير بين القيمة التاريخية ومخاطر فائض القوة
لا يمكن إنكار أن إنجازات التحرير شكّلت لحظة مفصلية في التاريخ اللبناني، وأعادت الاعتبار لفكرة المقاومة كخيار فعّال في مواجهة الاحتلال. غير أن هذه الإنجازات، على أهميتها، لم تكن بمنأى عن إشكالية دقيقة تمثّلت في بعض مظاهر فائض القوة أو الثقة المفرطة.
فحين لا تُستثمر إنجازات التحرير ضمن إطار وطني جامع، فإنها قد تتحول من عنصر توحيد إلى نقطة خلاف، ومن مصدر قوة إلى مدخل للانقسام.
وهنا يبرز نقدٌ بنيوي لا يستهدف جوهر المقاومة، بل أسلوب توظيفها: إذ إن بعض مظاهر الغرور السياسي أو العسكري، و في ظل غياب احتساب دقيق لوحدة الساحات الجادة في تحرير فلسطين حيث تركت المقاومة وحدها فلا شعوب و لا أنظمة عززت وحدة الساحات في مراحل لاحقة، أسهمت في إضعاف الإجماع الوطني، وفتحت الباب أمام الطعن في مشروعيتها، رغم بقاء جوهرها المقاوم حيًا وثائرًا لا يهدأ في مواجهة الاحتلال.
خامسًا: نحو سياسة دفاع وطني تضبط المقاومة ولا تلغيها
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في الدفاع عن مشروعية المقاومة، بل في إدماجها ضمن إطار الدولة. ومن هنا، تبرز ضرورة صياغة سياسة دفاع وطني تقوم على:
احتكار الدولة لقرار الحرب والسلم،
تنظيم دور المقاومة ضمن هذا الإطار،
توجيهها حصريًا نحو هدف التحرير والدفاع،
منع استخدامها في صراعات داخلية أو إقليمية لا تخدم المصلحة الوطنية.
فالدولة، بوصفها التعبير الأسمى عن الإرادة الجماعية، هي وحدها القادرة على تحويل المقاومة من فعلٍ ثائر إلى قوة استراتيجية منضبطة.
سادسًا: دعم القضية الفلسطينية ضمن حدود السيادة اللبنانية
إن دعم القضية الفلسطينية يستند إلى قاعدة قانونية وأخلاقية راسخة، تتمثل في حق الشعوب في التحرر من الاحتلال. وهو دعم يتعزز بأبعاده العربية والإسلامية والإنسانية.
غير أن هذا الالتزام، في الحالة اللبنانية، يجب أن يُمارس ضمن ضوابط واضحة، تحول دون تحويل لبنان إلى ساحة صراع مفتوحة أو تحميله أثمانًا تتجاوز قدرته. فالتضامن، في إطاره القانوني السليم، لا يتعارض مع السيادة، بل يتكامل معها، شرط ألا يتحول إلى مدخل لتقويضها.
و عليه
إن فلسفة المقاومة، في بعدها اللبناني، لا تستقيم إلا ضمن توازن دقيق: حقٌ قانوني ثابت، وممارسةٌ سياسية منضبطة، وغايةٌ تحريرية واضحة. فالمقاومة التي تنفصل عن الدولة تفقد إطارها، والدولة التي تتخلى عن حقها في الدفاع تفقد سيادتها.
وبين هذين الحدّين، يتحدد المسار: إما تثبيت إنجازات التحرير ضمن رؤية وطنية جامعة، أو تعريضها للاهتزاز بفعل سوء التقدير . وفي هذا المفصل تحديدًا، يصبح الوعي الفلسفي–القانوني ضرورة، لا فقط لتبرير المقاومة، بل لحمايتها من نفسها أن اخطأت التقدير ، وصونها كحقٍ في خدمة الدولة، لا عبئًا عليها.
(*)باحث أكاديمي حقوقي في القانون الدولي