د. جيرار ديب
أعلن الجيش المالي، الجمعة 25 نيسان الجاري، إنه «يقاتل جماعات إرهابية»، هاجمت ثكناته العسكرية في العاصمة باماكو ومناطق أخرى في تلك الدولة الإفريقية الخاضعة للحكم العسكري.
هذا، وكانت جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» المرتبطة بتنظيم القاعدة، قد أعلنت بالتنسيق مع مسلحين طوارق من «جبهة تحرير أزواد»، شنّ هجمات واسعة أدّت إلى مقتل وزير الدفاع المالي، ساديو كامارا، في تفجير انتحاري بحسب ما أكدت وسائل إعلام فرنسية. يعتبر، كامارا المعماري الرئيسي لعملية تقارب مالي مع موسكو، فهو الذي أدار ملف استقدام مقتلي «فاغنر» التي أصبحت «فيلق إفريقيا» وهو خريج المدرسة الروسية ويوصف بـ«الصقر» الذي دفع نحو القطيعة مع فرنسا والقوات الدولية.
تواجه مالي منعطفاً تاريخياً هو الأخطر منذ انقلاب عام 2020، حيث وجدت السلطة العسكرية الحاكمة نفسها تحت وطأة هجمات منسقة غبر مسبوقة. يأخذ البعض في أهداف هذه العملية إلى إعادة خلط لأوراق لمنطقة غرب إفريقيا من ناحية تشكيل للنفوذ بعدما كانت البلاد تعتبر مدّا استراتيجياً لفرنسا، قبل أن تتمكن روسيا من إحداث الانقلاب وإبعاد الحضور الفرنسي واستبداله بحضور روسي. إذ شهدت دولاً افريقية من عام 2020 حتى 2026 تحوّلاً استراتيجياً كبيراً، حيث أدّت انقلابات الحكم فيها من إنهاء تحالفاتها العسكرية والسياسية التقليدية مع فرنسا، والتوجه إلى تعزيز الشراكة مع روسيا، فهل لفرنسا يديّة في احداث حالة الفوضى في مالي؟
يولي الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، اهتماماً خاصاً للسياسة الفرنسية الخارجية، ويعمل على استعادة الحضور الفرنسي الى سابق عهده. لهذا دخلت الدبلوماسية الفرنسية صراع النفوذ الدولي بعدما استشعرت خطورة التقارب الروسي - الأميركي، فتمثل ذلك في مواقفها من الأحداث الدائرة في منطقة الشرق الأوسط مستغلة «انزلاق» واشنطن في حربها مع طهران وأذرعها، التي تأتي متناغمة مع الإيراني وحزب الله في لبنان، هي التي لمست الطبيعة العدائية المتجسّدة في رفض أميركي - إسرائيلي لأي دور لفرنسا في لبنان. كذلك تستغل باريس واقع «إلهاء» الروسي في حرب أوكرانيا لتبدأ بفرض حالة عدم استقرار تهديدي للوجود الروسي في القارة السمراء، وقد مبطن لدعم الحركات الإسلامية في مواجهة الانتشار الروسي.
إن صعود نجم هذه الحركات المتشدّدة يفتح باب القارة السمراء مجدّداً أمام الجيش الفرنسي ودوره في مساعدة الشعوب لتحريرها من هذه الجماعات المتطرفة. فمن المعروف تاريخياً إن فرنسا كانت من أبرز القوى التي حاربت هذه الجماعة التي تعتبرها العدو الرئيسي لها، حيث قادت حملة عسكرية أطلقت عليها «عملية برخان» لسنوات في مالي ومنطقة الساحل ضد الجماعات الجهادية، وقتلت قادة بارزين من JNIM، كما أن أدبيات هذه الجماعة تعلن عدائها الصريح لفرنسا.
لا يقوم الصراع في مالي على النفوذ فقط، في البلد الإفريقي الذي يعدّ من أكبر منتجي الذهب في افريقيا، الذي وصل انتاجها له في عام 2025 إلى حوالي 54.7 طن متري. إذ تشهد مالي صراعاً على قطاع التعدين وخصوصاً الذهب، إذ استهدف الانقلاب من قبل جماعة نصرة الاسلام والمسلمين مناطق التعدين وخطوط الامداد، لأنّ الذهب مصدر تمويل مهم ولأنّ السيطرة على هذه المناطق تعني نفوذاً اقتصادياً وسياسياً.
خسرت فرنسا دورها التاريخي في قطاع التعدين بمالي الذي شهد تراجعاً أمام التواجد الروسي الذي عمل منذ الانقلاب العسكري على توسيع نفوذه في البلاد. إذ عززت باماكو تعاونها مع روسيا، وبرز حضور مجموعات أمنية روسية مثل مجموعة فاغنر سابقاً، والذي منحها نفوذاً قوياً داخل دوائر القرار، فبرزت المقايضة التالية الدعم الأمني مقابل الموارد.
من غير المؤكد أن تصبّ صعود الجماعات الإسلامية في مالي لصالح الحضور الفرنسي، رغم إعلان «الفيلق الإفريقي» التابع لروسيا تنفيذه انسحاباً منظماً، برفقة قوات من الجيش المالي، من معسكرات تيساليت وأجهلوك شمال ووسط البلاد. إذ إن للجماعات المتشددة حضوراً في أكثر من منطقة في افريقيا الأمر الذي يثير التكهنات حول الصعود المفاجئ لها على اعتبار أن تحركات هذه الجماعات لا يقتصر في مالي بل في نيجيريا وغيرها من الدول الافريقية.
من المبكر رسم المشهدية العامة فيما يحدث في باماكو من صعود الجماعات وفلول تلك المرتبطة بروسيا، لأنّ المستثمر في تلك الأحداث قد لا يكون الفرنسي فقط. إذ ما يحدث في مالي ليس صراعاً واحداً بل تقاطع بين حرب داخلية وتموضع جيوسياسية دولي وتنافس على الموارد، لذلك يوصف كثيراً بأنه جزء من «إعادة تشكيل ميزان القوى في منطقة الساحل الإفريقي» هذا ما يطرح التساؤل حول أي مالي ستكون عليه؟ وهل هناك ربيع افريقي متشدّد جديد بدأ في باماكو؟