بيروت - لبنان

اخر الأخبار

12 حزيران 2026 12:00ص كُلهم يا جنوب باعوك الكلام

حجم الخط
د. محمد دوغان

ليست المرة الأولى التي تُستخدم فيها اللغة السياسية لإخفاء حقيقة المشاريع المطروحة أو لتخفيف وقعها على الرأي العام. فالتجارب الدولية حافلة بأمثلة جرى فيها استبدال المصطلحات الصادمة بأخرى أكثر نعومة، فيما بقيت الأهداف والنتائج على حالها. وهذا ما يدفع إلى التوقف ملياً أمام الانتقال الأميركي والإسرائيلي من الحديث عن «المنطقة العازلة» (Buffer Zone) إلى الترويج لما يسمّى «المنطقة التجريبية» (Pilot Zone) في جنوب لبنان، في وقت تتواصل فيه المفاوضات المباشرة بين لبنان والعدو الإسرائيلي برعاية أميركية.
فالمنطقة العازلة، بمفهومها التقليدي، تعني إيجاد شريط جغرافي يخضع لترتيبات أمنية استثنائية هدفها حماية طرف من تهديدات الطرف الآخر. ولأن هذا المفهوم أثار منذ البداية حساسية لبنانية واسعة لما ينطوي عليه من مساس محتمل بالسيادة الوطنية، بدأ الحديث تدريجياً عن مفهوم جديد أقل استفزازاً للرأي العام وأكثر قابلية للتسويق السياسي، هو «المنطقة التجريبية». غير أن تغيير التسمية لا يبدل جوهر المشروع إذا كانت النتيجة النهائية واحدة، أي إنشاء مساحة داخل الأراضي اللبنانية تخضع لقيود أو ترتيبات استثنائية لا تُطبق على بقية الأراضي الوطنية.
إن السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي نقاش سياسي أو أمني هو: ما هو الأساس القانوني لمثل هذه الطروحات؟ وأين يقف الدستور اللبناني منها؟
في الواقع، لا يعرف الدستور اللبناني مفهوماً يُسمّى «المنطقة التجريبية»، كما لا يجيز إنشاء مناطق ذات وضع قانوني أو أمني خاص خارج إطار السيادة الكاملة للدولة ومؤسساتها الدستورية. فالأرض اللبنانية، وفق المفهوم الدستوري، تشكّل وحدة لا تتجزأ، والسيادة عليها غير قابلة للتجزئة أو التعليق أو المشاركة مع أي جهة أجنبية. ومن ثم فإن أي ترتيبات تؤدي عملياً إلى الحد من ممارسة الدولة لصلاحياتها الكاملة على جزء من إقليمها تطرح إشكاليات دستورية تتجاوز بكثير مسألة التسميات المستخدمة.
والأخطر من ذلك أن الغموض الذي يحيط بهذه المصطلحات ليس أمراً عارضاً، بل قد يكون جزءاً من آلية تمرير المشروع نفسه. فكلما كان المفهوم غامضاً ومفتوحاً على التأويل، أصبح من الأسهل تسويقه سياسياً وتقديمه للرأي العام على أنه إجراء تقني أو مؤقت أو محدود النطاق، قبل أن يتحوّل لاحقاً إلى واقع دائم يصعب تغييره.
ومن يراجع تاريخ الصراع العربي - الإسرائيلي يدرك أن إسرائيل لطالما سعت إلى إنشاء أحزمة أمنية ومناطق فاصلة في محيطها الإقليمي تحت عنوان حماية أمنها القومي. وقد شهد الجنوب اللبناني نفسه تجربة «الشريط الحدودي» الذي استمر سنوات طويلة تحت ذرائع أمنية مشابهة. لذلك فإن أي حديث اليوم عن ترتيبات جديدة، مهما اختلفت أسماؤها، لا يمكن فصله عن هذا الإرث التاريخي وعن المخاوف المشروعة من إنتاج وقائع ميدانية جديدة على حساب السيادة اللبنانية.
ولا يبدو مستغرباً أن يترافق طرح هذه الأفكار مع المفاوضات الجارية برعاية أميركية. فالولايات المتحدة تنظر إلى الملف اللبناني من زاوية ترتبط بصورة أساسية بأمن إسرائيل وضمان استقرار حدودها الشمالية. ومن هذا المنطلق، فإن أي مبادرة أميركية في الجنوب اللبناني ينبغي قراءتها في ضوء هذا الهدف الاستراتيجي الأساسي، لا في ضوء العناوين التقنية أو الدبلوماسية التي تُقدَّم للرأي العام.
غير أن المشكلة لا تكمن فقط في الهدف الإسرائيلي المحتمل، بل أيضاً في طبيعة المقاربة اللبنانية المطلوبة لمواجهة هذه الطروحات. فالتعامل معها باعتبارها مجرد أفكار تقنية أو ترتيبات ميدانية مؤقتة قد يؤدي إلى تجاهل أبعادها الدستورية والسيادية العميقة. ذلك أن التنازل عن السيادة لا يحصل دائماً من خلال اتفاقيات معلنة أو تعديلات دستورية صريحة، بل قد يبدأ عبر قبول استثناءات محدودة ثم تتوسّع تدريجياً لتتحوّل إلى قواعد دائمة.
ومن هنا فإن المطلوب قبل أي شيء آخر هو الوضوح الكامل. فإذا كانت هناك مشاريع أو تصورات أو أوراق تفاوضية تتعلق بما يسمّى «المنطقة التجريبية»، فمن حق اللبنانيين الاطلاع على مضمونها الحقيقي ومعرفة آثارها القانونية والسيادية والأمنية. أما الاكتفاء بتداول مصطلحات غامضة ومبهمة فلا يؤدي إلا إلى زيادة الشكوك وتعميق المخاوف.
إن لبنان ليس في موقع رفض الأمن أو الاستقرار، بل هو أكثر الدول حاجة إليهما. غير أن الأمن لا يمكن أن يُبنى على حساب السيادة، والاستقرار لا يمكن أن يتحقق عبر خلق مناطق استثنائية داخل الدولة الواحدة. فالدول لا تفقد سيادتها دفعة واحدة، بل تتآكل تدريجياً عندما تقبل بأن تُدار أجزاء من أراضيها وفق اعتبارات تفرضها مصالح الآخرين.
ولعلّ الخطر الحقيقي اليوم لا يكمن في مصطلح «المنطقة العازلة» أو «المنطقة التجريبية» بحد ذاته، بل في الفلسفة السياسية الكامنة خلفهما؛ تلك الفلسفة التي تسعى إلى تحويل أمن إسرائيل إلى معيار حاكم لإعادة تشكيل الواقع القانوني والأمني في جنوب لبنان. وعندما يصبح المطلوب من الدولة اللبنانية أن تعيد تنظيم جزء من إقليمها استجابة لاحتياجات دولة أخرى، فإن المسألة تتجاوز حدود الترتيبات الأمنية لتلامس جوهر السيادة الوطنية نفسها.
لهذا السبب، فإن أي مشروعا يُطرح تحت أي تسمية كانت يجب أن يخضع لاختبار واحد لا غير: هل يحافظ على السيادة اللبنانية كاملة غير منقوصة أم يفتح الباب أمام انتقاصها؟ وما عدا ذلك يبقى مجرد هندسة لغوية لمشروع واحد يتغير اسمه فيما يبقى مضمونه على حاله.