تقوم الدولة العبرية على أسس أيديولوجية عضوية عبّر عنها «دافيد بن غوريون» بقوله «إن الدولة التي لا تتوسّع تموت»، فالتوسّع صفة لصيقة بهذه الدولة التي تنتهج إزاء محيطها القريب والبعيد سياسة «واقعية»، حققت من خلالها إنجازات جيوبوليتيكية نوعية، سمحت لها بتعظيم مجالها المكاني، بموازاة تعظيمها لحضورها النوعي في مختلف مجالات العلوم والتكنولوجيا.
وتتداخل في الصراع العربي - الإسرائيلي عوامل جيواستراتيجية، وجيوسياسية، وجيواقتصادية... وقد استطاعت تل أبيب فك الحصار الذي كان مفروضا عليها من قبل الدول العربية المطبّعة حاليا... فأبرمت معها معاهدات أمنية، ساهمت في تمكينها من القضاء على الدول العربية غير المطبِّعة... إلّا أن الثورة الدينية - المذهبية - السياسية في إيران قد أفسدت على تل أبيب، أقلّه حتى تاريخه، مخططها في السيطرة الإقليمية، لكنها مكّنتها في الوقت عينه من تحقيق أطماعها التوسعية جرّاء حرب الاستنزاف العبثية التي خاضت غمارها في وجه العراق.
ومن منظور مسار تطور الصراع مع إسرائيل، وبمعزل عن أوجه الاختلاف العديدة القائمة بين الحالتين، فإن علاقة جدلية متشابهة يمكن ملاحظتها بين جدلية السلطة الفلسطينية/حماس في الضفة الغربية وقطاع غزة، وجدلية السلطة اللبنانية/حزب الله في لبنان.
فمع فشل السلطة الفلسطينية في كبح جماح الأنشطة العسكرية للفصائل الفلسطينية المقاوِمة للاحتلال في الضفة والقطاع، ينبري جيش الاحتلال الإسرائيلي ليحلّ محلها، بغرض القضاء على هذه الفصائل. وقياسا على هذه التجربة، وإذا ما سلّمنا جدلا أن الدولة اللبنانية قد استعادت سيادتها الكاملة على أراضيها، فإننا نميل الى الاعتقاد بأن تنظيم حزب الله لن يتوقف عن العمل الأمني ضد إسرائيل، وأن الدولة اللبنانية لن يكون بمقدورها كبح جماح الحزب، وأن الجيش الإسرائيلي سوف يتدخّل مجدّدا في لبنان، كما يتدخل اليوم في الضفة والقطاع، وسوف تعود الأمور الى مربّعها الأول.
وبما أن سياسة الكرّ والفرّ بين تل أبيب والحزب قد وصلت على حد تقديرنا الى نهاياتها المنطقية، فإننا نميل الى الاعتقاد أن هذه الأخيرة تصبو الى تجريد تنظيم حزب الله من سلاحه حتى الأبيض منه، لكنه يبدو في الوقت عينه أنه ليس لتل أبيب مصلحة بتجريد الحزب من كامل سلاحه، فالدفع بشيعة الحزب نحو الداخل اللبناني تزامنا مع سياسة التجريف التي يشهدها الجنوب وربما الضاحية والبقاع، يهدف في نهاية المطاف الى تجريدهم من قوتهم الكامنة في تركيزهم التاريخي الجغرافي - الديموغرافي، وتعبيد الطريق أمام احتقانات أهلية مع سائر الطوائف، تضعف الداخل اللبناني، وتوفر لإسرائيل هدوءا بعيد الأمد.
فتل أبيب لن تسمح بعد الآن بأي تركيز ديمغراغي - جغرافي - طائفي شيعي كان أم سنّي، ما لم يكن هذا التركيز تحت سيطرتها الكاملة المباشرة أو غير المباشرة. ويبقى احتمال ترنسفير شيعة الحزب الى خارج لبنان، بما يضمن لإسرائيل هدوءا دائما على حدودها الشمالية، وإنتاج طبقة سياسية تكون حليفة لها في لبنان، واردا في حسابات السياسة الإسرائيلية.
لكن من يصدّق أن حسابات تل أبيب أو طهران في لبنان تقتصر على الجانب الأمني، أو أنه باستطاعة تل أبيب أو طهران تحقيق أهدافهما الاستراتيجية السريالية في لبنان والضفة والقطاع بهذه السهولة؟! وعليه، فإن الدولة اللبنانية مدعوة الى إعادة النظر بسياستها الحالية، وصياغة استراتيجية عقلانية داخلية - خارجية متكاملة تمكّنها، على قاعدة تصفير الأزمات وتثمير المشتركات، من صيانة استقرارها السياسي الوطني، ووحدة ترابها الوطني، ومصالحها الوطنية الحيوية، درءا للأخطار الوجودية الناجمة عن هذه الأفكار... والاحتمالات... والسياسات... الواقعية...
* أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية
مؤسس حركة «ثورة بلا حدود» وأمينها العام