بيروت - لبنان

اخر الأخبار

18 آذار 2026 12:00ص لبنانُ على حافةِ الدّولة

حجم الخط
د. مهى محمّد مراد

لم يعدِ السؤالُ في لبنانَ اليوم: لماذا انهارتِ الدولة؟
السؤالُ الحقيقيّ والأكثرُ إلحاحاً هو: هل ما زالتْ هناك دولة أصلاً كي نستعيدَ سيادتَها؟
فعلى مدى سنواتٍ طويلة، عاش اللبنانيّون على وهمِ أنّ الأزماتِ التي تضربُ بلادَهم هي مجرّد عثراتٍ مؤقتة في نظام سياسيّ قابل للإصلاح. لكن ما كشفته السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد الانهيار الماليّ والاقتصاديّ غير المسبوق، هو حقيقة أكثر قسوة: لبنانُ لم يعدْ يعيش أزمةَ نظام فحسب، بل أزمةَ دولة مهدّدة في وجودها.
والسّيادة التي يتحدّث عنها السياسيون في خطاباتهم لم تُفقَد فجأة، بل تآكلت تدريجياً بفعل مزيج قاتل من الفساد الداخلي، والانقسام الطائفيّ، وتضخّم نفوذ القوى السياسية، وتدخلات إقليميّة حوّلت لبنانَ إلى ساحة صراعٍ مفتوحة.

دولة بلا قرار...

إنّ السيادةَ في معناها البسيط هي قدرة الدولة على اتّخاذ القرار داخل حدودها دون إملاءات أو ضغوط خارجيّة، لكنّ لبنان، منذ سنوات طويلة، يعيش واقعاً مختلفاً:
قرارٌ سياسيّ موزّع بين قوى داخلية متصارعة، وتوازنات إقليمية تفرض حضورها في كلّ استحقاق سياسيّ.
وفي كلّ مرة يقترب فيها اللبنانيّون من استحقاق مصيريّ - تشكيل حكومة، انتخاب رئيس، اتّخاذ قرار اقتصادي – يتّضح حجمُ العجز البنيويّ للدولة، وبالتالي، فإنّ القرارَ لا يُصنع في المؤسسات وحدها، بل في مراكز النفوذ السياسيّة والطائفية، وفي حسابات القوى التي تتجاوز حدود الدولة نفسها.
وهكذا تحوّلت السيادة إلى مفهوم نظريّ أكثر منه واقعاً فعلياً.
وفي المرحلة التي تزامنت معَ انهيار النظام الماليّ في لبنان، لم تكن مجرّد أزمة مصرفية أو خلل في إدارة الاقتصاد، بل كانت اللحظة التي سقطت فيها كل الأقنعة…
حيث انهارت العملة وتبخّرت مدخّراتُ اللبنانيّين وانهار القطاع المصرفيّ الذي كان يوصف يوماً بأنه ركيزة الاقتصاد اللبناني، وبالتالي، فإنّ ملايين اللبنانيين وجدوا أنفسهم فجأة أمام واقع مرير: دولة عاجزة عن حماية أموالهم، وعن محاسبة المسؤولين عن الكارثة!
وهنا ظهر السؤال الأكثر إيلاماً:
كيف يمكنُ لدولة عاجزة عن حماية اقتصادها أن تدّعي امتلاك سيادة سياسية؟
فالسيادة ليست مجرّد حدود جغرافية أو علم يُرفع فوق المؤسسات، السيادة تبدأ عندما تكون الدولة قادرةً على حماية اقتصادها، ومحاسبة فاسديها، والدفاع عن مصالح مواطنيها.
ومن جهةٍ أخرى، فإنّ المشكلة الأعمق في لبنانَ ليست فقط في الأزمات المتتالية، بل في البنية السياسية نفسها، فالطائفية السياسية التي أُنشئت أصلاً كآليّة لتنظيم التوازن بين المكوّنات اللبنانية تحوّلت معَ الزمن إلى نظام لتقاسم الدولة، فأصبحت الوزارات حصصاً، والمؤسّسات غنائمَ، والوظائف العامة أدواتٍ للزبائنيّة السياسيّة. وبدلاً من أن تكونَ الدولة إطاراً جامعاً لجميع اللبنانيين، تحوّلت إلى مساحة نفوذ تتنافس عليها القوى الطائفية.
وفي ظلّ هذا الواقع، تصبح السيادة مجرّد شعار، لأنّ الدّولة نفسها مجزّأة من الداخل.

استعادةُ السيادة تبدأ بكسر المحرّمات...

إذا أراد لبنانُ فعلاً أن يستعيدَ سيادته، فعليه أولاً أن يواجهَ الحقائقُ التي يتهرّب منها منذ عقود.
ومن المتعارف، أنّ استعادةَ السيادة تبدأ بإعادة بناء الدولة على أساس القانون لا المحاصصة، والمواطنة لا الطائفة، والمؤسسات لا الزعامات، وهذا يعني إصلاحاً سياسياً عميقاً يضعُ حدّاً لاقتصادِ الفساد، ويُعيدُ الاعتبار لدور المؤسسات الدستورية.
كما أنّ أيّ مشروع سياديّ حقيقيّ يتطلّب قراراً وطنياً واضحاً بأنّ الدولةَ وحدَها هي المرجعيّة النهائيّة في إدارة الشأن العام، وأنّ القانون يجبُ أن يسريَ على الجميع دون استثناء.
قد يبدو هذا الكلامُ بديهياً في أيّ دولة طبيعية، لكنّه في لبنانَ ما زال أقربَ إلى مشروع سياسيّ كبير يحتاج إلى شجاعة استثنائية.
لكنّ الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن السيادة لا تُفرَض فقط من أعلى، بل تُبنى أيضاً من المجتمع نفسه.
فحين يقبل المواطنُ أن تُدار الدولة بمنطق الطائفة لا الدولة، وحين يصبحُ الولاء السياسيّ بديلاً عن الولاء للوطن، فإنّ فكرة السيادة تصبح مجرّد شعار فارغ.
لذلك فإنّ المعركةَ الحقيقيّة في لبنانَ ليست فقط معركةَ إصلاح سياسيّ، بل أيضاً معركة وعيٍ وطنيّ تُعيدُ تعريف العلاقة بين المواطن والدولة.
أمّا في لحظة الحقيقة، فلبنانُ يقفُ اليومَ أمام لحظةٍ تاريخيّة حاسمة، فإمّا أنْ يستمرّ في إدارة أزماته بالمسكّنات السياسيّة والتسويات المؤقتة، وإمّا أن يواجهَ حقيقةَ أنّ الدولة التي لا تُعيدُ بناءَ نفسها ستتحوّل تدريجياً إلى مجرّد كيان هشّ يعيشُ على هامش الصراعات الإقليمية.
وفي النهاية، السيادةُ لا تُستعاد بالخُطب ولا بالشعارات، بل ببناء دولة حقيقية: دولة القانون، والمؤسسات، والاقتصاد المنتج، والمواطَنة المتساوية.
وإلى حين حدوث ذلك، سيبقى السؤالُ يلاحق اللبنانيّين:
هل ما زالَ الوقت متاحاً لإنقاذ الدولة...
أم أنّنا نكتبُ اليوم الفصولَ الأخيرة من قصّة سيادة ضائعة؟