د. حسين محمود رمال*
ليس الوطن مجرّد رقعةٍ جغرافية تُرسَم حدودها على الخرائط، بل هو كيانٌ قانوني وسياسي وأخلاقي، تتجسّد فيه فكرة الدولة بوصفها السلطة العليا التي تحتكر القرار والسيادة والقوة الشرعية ضمن إقليمها، وفقاً لما استقرّ عليه القانون الدولي العام منذ نشأة الدولة الحديثة. ومن هنا، فإنّ أخطر ما قد يصيب أي وطن ليس الفقر ولا الانقسام السياسي فحسب، بل تحوّله إلى مساحةٍ مفتوحة تتنازعها الإرادات الخارجية، وتتقدّم فيها الجماعات والمصالح والفوضى على الدولة ومؤسساتها.
إنّ الدولة، في فلسفتها القانونية العميقة، ليست جهازاً إدارياً فحسب، بل هي التعبير الأعلى عن الإرادة الوطنية الجامعة، وهي الحارس الشرعي للسيادة، والضامن الوحيد للاستقرار والحقوق والحدود والقرار السياسي. لذلك، فإنّ أي مساسٍ بهيبة الدولة أو احتكارها للقوة المشروعة، هو مساسٌ مباشر بجوهر الوطن نفسه، لا بمجرد السلطة الحاكمة فيه.
ومن هنا، فإنّ التجربة اللبنانية لا يمكن قراءتها بوصفها أزمة سياسية عابرة، بل باعتبارها أزمةً بنيوية في مفهوم الدولة والسيادة والقرار الوطني، وهي أزمة تستوجب مراجعة تاريخية وقانونية شاملة تعيد الاعتبار للبنان الدولة، لا لبنان الساحة.
أولًا: لبنان في القانون الدولي - دولة كاملة السيادة لا ساحة نفوذ
لقد كان لبنان، منذ نشأته الحديثة، دولةً ذات سيادة كاملة وفق قواعد القانون الدولي، عضوًا مؤسسًا في الأمم المتحدة، ويتمتّع بكل العناصر القانونية المكوّنة للدولة من شعب وإقليم وسلطة سياسية. وقد كرّست قواعد القانون الدولي المعاصر مبدأ المساواة في السيادة بين الدول، بحيث لا يجوز لأي دولة أو جماعة أو محور خارجي أن ينتقص من استقلال دولة أخرى أو يحوّلها إلى مساحة نفوذ أو ساحة تصفية حسابات.
غير أنّ الجغرافيا السياسية للمنطقة، وتعقيدات الصراع العربي - الإسرائيلي، والانقسامات الداخلية، دفعت بهذا الوطن تدريجياً نحو مسارٍ خطير جعل سيادته موضع استنزاف دائم.
فلبنان، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية الحسّاسة، وجد نفسه في قلب صراعات إقليمية ودولية متشابكة، الأمر الذي أدّى مع مرور الزمن إلى اهتزاز مفهوم الدولة المركزية القادرة على الإمساك الكامل بقرارها الوطني. وهنا تحديداً تكمن الخطورة؛ إذ إنّ الدولة التي يفقد قرارها وحدته، تفقد تدريجياً قدرتها على فرض سيادتها الكاملة على إقليمها وشعبها.
ثانياً: من حرب فلسطين إلى اتفاق القاهرة - بداية التصدّع في مفهوم السيادة
بعد احتلال فلسطين وإعلان قيام إسرائيل عام 1948، وما تبعه من اعتراف دولي بها عام 1949، دخل لبنان الحرب نصرةً لفلسطين، في موقفٍ عكس التزاماً عربياً وأخلاقياً وقومياً قلّ نظيره. ولم يكن هذا الموقف مجرّد خيارٍ عاطفي، بل كان انعكاساً لالتزامٍ تاريخي بقضية اعتبرها اللبنانيون جزءاً من وجدانهم السياسي والقومي.
إلّا أنّ تداعيات الصراع لم تبقَ خارج الحدود اللبنانية، بل بدأت تتسرّب تدريجياً إلى الداخل اللبناني، إلى أن شكّل اتفاق القاهرة عام 1969 نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ الدولة اللبنانية، إذ أُدخل لبنان في معادلةٍ أضعفت مفهوم السيادة القانونية للدولة على كامل إقليمها، وفتحت الباب أمام ازدواجية السلطة والسلاح والقرار.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الخلل محصوراً في البُعد الأمني، بل بدأ يصيب جوهر فكرة الدولة نفسها. فحين تفقد الدولة احتكارها للقوة المشروعة، ويتقدّم التنظيم أو الحزب أو الخارج على المؤسسة الوطنية، تصبح السيادة مفهوماً نظرياً أكثر منها واقعاً فعلياً.
وهنا تبرز إحدى أخطر الإشكاليات في التجربة اللبنانية: الخلط بين دعم القضايا العادلة وبين التفريط بمفهوم الدولة. فالقضية العادلة لا يمكن أن تُبنى على إضعاف الدولة، لأنّ الدولة حين تنهار، ينهار معها المجتمع والمؤسسات والاقتصاد والكرامة الوطنية معاً.
ثالثاً: الحرب الأهلية اللبنانية - سقوط الدولة وتحوّل الوطن إلى ساحة مستباحة
وهكذا دخل لبنان تدريجياً في مسار الانهيار الداخلي الذي انفجر عام 1975 مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، تلك الحرب التي استمرّت خمسة عشر عاماً، واستنزفت الدولة والمجتمع والمؤسسات والاقتصاد والهوية الوطنية الجامعة.
لقد تحوّل الوطن خلال تلك المرحلة إلى ساحةٍ مستباحة. القريبُ الذي أخذته الشعارات أسهم، عن قصد أو عن غير قصد، في إضعاف الدولة والتعدّي على مؤسساتها، والغريبُ جاء أفرادًا وجماعاتٍ ودولاً، يعبث بالقرار الوطني ويشلّ مؤسسات الدولة ويهين شعبها، حتى بدا وكأنّ لبنان فقد تدريجياً القدرة على حماية ذاته بنفسه.
ولم تعد الحرب مجرّد اقتتال داخلي، بل تحوّل لبنان إلى ملتقى للتدخّلات الخارجية والمحاور الإقليمية والمشاريع المتصارعة، حتى تراجعت صورة الدولة أمام صورة الجماعات المسلحة والولاءات المتعددة والانقسامات الحادّة.
ومع كل ذلك، بقيت حقيقةٌ ثابتة لا يجوز القفز فوقها: أنّ الوطن أعلى من الجميع، وأنّ اسم لبنان يجب أن يبقى فوق كل الجماعات والمحاور والمصالح والولاءات العابرة.
رابعاً: مرحلة ما بعد 1990 - نهاية الحرب وبداية الأزمة المركّبة
ثم جاء عام 1990، معلناً نهاية الحرب الأهلية وبداية مرحلة جديدة. أُعيد بناء النظام الدستوري وفق ترتيبات سياسية جديدة، غير أنّ الدولة اللبنانية دخلت في حقبةٍ شديدة التعقيد، امتزج فيها النفوذ الإقليمي والدولي بالداخل اللبناني، وتراكمت خلالها أزمات الدين العام والانقسام السياسي والطائفي، حتى وجد لبنان نفسه أمام أثقال مالية هائلة، وانقسامات عمودية وأفقية عطّلت قيام الدولة الفعلية القادرة على اتخاذ القرار الحرّ المستقل.
لقد انتهت الحرب عسكرياً، لكنّ أسباب ضعف الدولة بقيت قائمة بأشكال مختلفة. فبدل أن تنتقل البلاد إلى مرحلة الدولة القوية الموحدة، دخلت في نظامٍ سياسي هشّ يقوم في كثير من الأحيان على التسويات المؤقتة لا على بناء المؤسسات الصلبة.
وهنا تكمن المعضلة الكبرى: إذ لا يمكن لدولةٍ مثقلة بالديون والانقسامات والتبعية السياسية أن تمارس سيادة كاملة فعلية، مهما كانت النصوص الدستورية متقدمة. فالنصوص وحدها لا تكفي إن لم تتحوّل إلى إرادة وطنية جامعة تحمي الدولة وتفرض احترامها.
خامساً: لا خلاص للبنان إلّا بالدولة
إنّ التجربة اللبنانية، بكل مآسيها وتعقيداتها، أثبتت حقيقة قانونية وسياسية لا تقبل الجدل: لا خلاص للبنان إلّا بالدولة. لا بالجماعات، ولا بالمحاور، ولا بالشعارات العابرة للحدود، ولا بتحويل الوطن إلى منصة صراع للآخرين.
فالدولة وحدها هي الضمانة العليا للسيادة، وهي المرجعية الوحيدة التي يجيز لها القانون الدولي ممارسة السلطة باسم الشعب وعلى الإقليم. والدولة وحدها هي القادرة على حماية الحدود، وإقامة العدالة، وتنظيم الاقتصاد، وصون الحريات العامة، ومنع انهيار المجتمع في الفوضى.
ومن هنا، فإنّ مستقبل لبنان يجب أن يُبنى على إعادة تأسيس مفهوم الدولة الصارمة والعادلة في آنٍ معًا؛ دولة الجمال الفولاذي والهيبة القانونية، الدولة التي تطبّق القانون على الجميع بلا استثناء، وتحمي حدودها وقرارها ومؤسساتها، وترفض أن تكون في جيب أحد، أيًّا كان هذا الخارج أو ذاك المحور.
فمصلحة لبنان يجب أن تكون أولاً وآخراً، وحتى آخر الدنيا.
سادساً: السيادة والديمغرافيا ووحدة القرار الوطني
ولا يمكن لأي مشروع نهوض وطني أن ينجح ما لم يُستعَد الاعتبار الكامل لمفهوم السيادة. والسيادة هنا ليست شعاراً إنشائياً، بل منظومة متكاملة تبدأ من احتكار الدولة للقوة الشرعية، وتمرّ عبر وحدة القرار الخارجي، وتصل إلى حماية البنية الديمغرافية والقانونية للدولة من أي وجود مخالف للقانون.
فالدولة التي تعجز عن ضبط حدودها أو تنظيم وجود الأجانب على أرضها، تصبح معرّضة تدريجياً لفقدان قدرتها على حماية قرارها الوطني وهويتها السياسية. والسيادة الديمغرافية ليست مفهوماً عنصرياً أو انعزالياً، بل هي جزء من حق الدولة في الحفاظ على توازنها الوطني والقانوني والاجتماعي ضمن قواعد القانون الدولي ذاته.
إنّ لبنان الذي يستحقه اللبنانيون هو لبنان النظيف قانونياً وسيادياً؛ لبنان الذي يتّسع لأبنائه ضمن إطار دولة عادلة قوية، لا دولة رخوة تُدار بالتسويات المؤقتة والولاءات المتعددة. فاحترام الإنسان لا يعني إلغاء الدولة، والالتزام بالقانون الدولي لا يعني التفريط بالسيادة الوطنية، بل إنّ القانون الدولي نفسه يقوم أساساً على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها وعدم التدخّل في شؤونها الداخلية.
سابعاً: نحو عقد وطني جديد من رحم الدستور
ومن هنا، تبدو الحاجة ملحّة اليوم إلى حوار وطني تاريخي، لا يكون هدفه تقاسم النفوذ، بل إعادة تعريف المشروع الوطني اللبناني على أسس دستورية وسيادية واضحة.
حوار يدرس كل التجارب التي مرّ بها لبنان منذ الاستقلال، ويقرأ بجرأة أسباب الانهيار والحروب والتدخّلات، ويضع سياسات تعافٍ شاملة سياسياً واقتصادياً ودستورياً وأمنياً.
كما ينبغي أن يُفضي هذا الحوار إلى إقرار سياسة خارجية موحّدة تعبّر عن الدولة اللبنانية وحدها، لا عن تعدّد المنابر والاتجاهات، وإلى تثبيت مبادئ السيادة ووحدة القرار الوطني ضمن نص دستوري واضح، أو ضمن وثيقة دستورية من رحم الدستور اللبناني نفسه، بما يجعلها ملزمة لكل السلطات والقوى السياسية دون استثناء.
ولا يكفي أن يكون الاتفاق سياسياً عابراً، بل يجب أن يتحوّل إلى التزام دستوري وطني دائم، لأنّ الأوطان لا تُحمى بالتفاهمات المؤقتة، بل بالقواعد الملزمة التي تعلو على المصالح الآنية والانقسامات الظرفية.
وعليه: لبنان الدولة لا لبنان الساحة
ولأنّ استقرار الدول لا يقوم فقط على التفاهمات الداخلية الهشّة، بل أيضاً على الضمانات القانونية والسياسية الدولية، فإنّ أي اتفاقاً وطنياً جامعاً ينبغي أن يُودَع لدى الأمم المتحدة وحيث يلزم من المؤسسات والهيئات الدولية المختصة، بما يكرّس احترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه واستقلال قراره، ويمنع تحويله مجدداً إلى ساحة صراعات أو صندوق بريد إقليمي ودولي.
إنّ لبنان لا يحتاج إلى وطنٍ جديد، بل إلى دولةٍ حقيقية. دولةٍ تعرف أنّ السيادة ليست تفصيلاً، وأنّ القانون ليس وجهة نظر، وأنّ الوطن لا يُحمى بالشعارات، بل بالمؤسسات القوية والقرار الواحد والولاء الكامل للدولة وحدها.
وفي اللحظة التي يدرك فيها اللبنانيون أنّ بقاء الدولة مقدّم على كل انقسام، وأنّ هيبة القانون أعلى من هيبة الجماعات، وأنّ لبنان لا يكون قوياً إلّا بوحدته الدستورية والسيادية، تبدأ لحظة الخلاص الحقيقي.
فلبنان إمّا أن يكون دولةً كاملة السيادة، ليس في جيب أحد لا عربا ولا غربا وصديقا لكيلاهما من موقع النديّة التامة أو يبقى ساحةً مفتوحة تستنزف أبنائه وتستباح حدوده وقراره. ولا مستقبل لوطنٍ لا تعلو فيه الدولة فوق الجميع.
* باحث أكاديمي حقوقي في القانون الدولي