بيروت - لبنان

اخر الأخبار

16 أيار 2026 12:00ص لبنان يُذبح... والجميع يتفاوض على الجثة

حجم الخط
د. محمد دوغان

في لبنان، لم يعد الانقسام السياسي مجرّد اختلاف في الرأي، بل تحوّل إلى مشروع تفكيك وطني كامل.
بلدٌ يقف على حافة الانهيار الشامل، فيما طبقته السياسية تتصرّف وكأنها تدير بازاراً إقليمياً مفتوحاً على الدم والخراب والمساومات.
فريقٌ يريد الذهاب إلى التفاوض المباشر مع إسرائيل تحت عنوان «الواقعية السياسية»، وفريقٌ آخر يرفع شعار «لا صوت يعلو فوق صوت البندقية»، وكأن اللبنانيين محكومون إلى الأبد بالعيش بين خيارين قاتلين: الاستسلام الكامل أو الحرب المفتوحة.
أما الدولة، تلك الغائبة الحاضرة، فقد تحوّلت إلى مجرد منصة يتقاتل فوقها اللاعبون المحليون والإقليميون، فيما الشعب اللبناني يُسحق يومياً تحت أنقاض الاقتصاد والقلق والخوف والهجرة، المفارقة المرعبة أن الجميع يتحدث باسم لبنان، لكن أحداً لا يتحدث عن اللبنانيين.
من يطالب بالتفاوض المباشر يقدّمه كأنه معبر إلزامي للإنقاذ، متجاهلاً أن أي تفاوض بلا إجماع وطني وبلا رؤية سيادية واضحة قد يتحوّل إلى انفجار داخلي جديد، لأن السلام المفروض على شعب منقسم لا يصنع استقراراً، بل يؤسس لحروب مؤجلة.
وفي المقابل، يخرج من يقول إن الكلام في الميدان، وإن البندقية وحدها تقرر مصير البلاد، وكأن لبنان يملك ترف الحرب المفتوحة، أو كأن هذا الشعب قادر على احتمال جولة جديدة من الدمار فيما مؤسسات الدولة تتآكل والعملة تنهار والحدود سائبة والسيادة ممزقة بين العواصم.
الحقيقة القاسية أن الفريقين يهربان من السؤال الأساسي:
من أعطاكم حق تقرير مصير اللبنانيين منفردين؟
لبنان اليوم لا يُدار من بيروت، بل من غرف التفاوض الإقليمية.
واشنطن تفاوض، طهران تناور، تل أبيب تضغط، والمنطقة كلها تعيد رسم خرائط النفوذ، فيما اللبنانيون يتجادلون حول من يملك حق أخذ البلاد إلى الحرب أو إلى التسوية، الأسوأ أن جزءاً كبيراً من الطبقة السياسية يعيش حالة إنكار جماعي.
بعضهم يتصرف بعقلية المنتصر العسكري رغم الانهيار الداخلي، وبعضهم يتصرف بعقلية السمسار السياسي الذي ينتظر نتائج التفاهمات الخارجية ليبيع اللبنانيين خطاب الإنقاذ.
أما الدولة اللبنانية، فقد أصبحت أضعف من أن تفرض قرار الحرب أو قرار السلام، وهذه أخطر مرحلة يمكن أن يصل إليها أي وطن: عندما تفقد الدولة احتكار القرار السيادي، ويتحول الشعب إلى رهينة صراع بين مشروعين يتنازعان على الخراب نفسه.
إن ربط مستقبل لبنان بالمفاوضات الأميركية - الإيرانية ليس تحليلاً سياسياً فقط، بل اعتراف فاضح بأن القرار اللبناني لم يعد لبنانياً، فكل استحقاق داخلي ينتظر كلمة السر الخارجية، وكل تصعيد ميداني يتحرك وفق حسابات تتجاوز الحدود، فيما اللبناني يُترك وحيداً يدفع الثمن دائماً: من رزقه، من أمنه، من كرامته، ومن مستقبله.
لكن الأخطر من كل ذلك، هو هذا الانقسام العمودي الذي ينهش الداخل اللبناني، فالبلاد لم تعد تقف فقط أمام خطر الحرب مع إسرائيل، بل أمام خطر التفكك الداخلي الكامل. وحين يصبح اللبناني مقتنعاً أن خصمه الداخلي أخطر من العدو الخارجي، تكون الدولة قد دخلت فعلياً مرحلة الانهيار السياسي – النفسي الشامل.
لبنان اليوم لا يحتاج خطابات حماسية، ولا شعارات تخوينية، ولا مزايدات سيادية فارغة، لبنان يحتاج إلى حقيقة واحدة فقط:
لا حرب تنقذ بلداً منهاراً، ولا تفاوض ينقذ دولة فاقدة لقرارها.
وما لم يدرك الجميع أن استمرار هذا الجنون السياسي سيقود إلى سقوط الهيكل فوق رؤوس الجميع، فإن لبنان لن يكون أمام تسوية تاريخية، بل أمام جنازة وطن تُدار على الهواء مباشرة.