سحر ضو
في آذار عام 2020، وبينما كان العالم يرتجف خلف أقنعة «كورونا»، كانت هناك فجوة كونية تتشكل بين مصيرين؛ في بيروت، وقف مودعٌ بائس أمام صراف آلي يرفض إعطائه مئة دولار من جنى عمره، وفي اللحظة ذاتها، كانت وزارة الخزانة الأميركية توقّع أوراق استدانة بمليارات الدولارات بضغطة زر. هذا التباين ليس ضرباً من الحظ، بل هو قصة اقتصادية تروي كيف يتحوّل الدَّين في يد البعض إلى «إكسير حياة»، وفي يد الآخرين إلى «حبل مشنقة».
لغز «كيف» ولماذا»؟
السؤال الذي لا تجرؤ النشرات الإخبارية التقليدية على تبسيطه هو: لماذا لا تنهار أميركا واليابان رغم ديونهما المرعبة؟ الإجابة تكمن في مفهوم «الاعتماد المتبادل القاتل». العالم لا يقرض واشنطن حباً فيها، بل لأن «سندات الخزانة» هي النخاع الشوكي للنظام المالي العالمي. البنوك المركزية من بكين إلى برلين تمتلك تريليونات من هذه الديون؛ فإذا سقطت أميركا، تبخّرت ثروات الكوكب في ليلة وضحاها. الدَّين هنا ليس عبئاً، بل هو «وثيقة تأمين» تجبر الدائن على حماية المدين ليبقى حيّاً.
أما في «المطبخ» الياباني، فالسر يكمن في هوية الدائن. اليابان مديونة لشعبها وبنوكها المحلية بالـ «ين» (العملة التي تطبعها). إنها «ديون عائلية» داخل البيت الواحد، مما يجعل قرارها السيادي محصّناً ضد رياح الابتزاز الخارجي أو شروط صندوق النقد الدولي القاسية.
الفخ اللبناني: عندما نقترض لنأكل لا لنبني
هنا تكمن العبرة؛ الدول المتقدمة لا تقترض «لتعيش»، بل «لتربح». تأخذ المال بفائدة ضئيلة وتضخّه في تكنولوجيا، ذكاء اصطناعي، ومفاعلات نووية تدرّ عائداً مضاعفاً. هذا الفارق هو «الثروة» التي تبني المدن. الدَّين هنا «أداة إنتاج» تموّل نفسها بنفسها.
في المقابل، سقط لبنان في فخ «الدَّين الاستهلاكي».
اقترضت الدولة بالدولار (عملة لا تملك مطبعتها) لا لبناء معامل تصدر للعالم، بل لتمويل نمط حياة وهمي، ودفع رواتب قطاع عام متضخم، وتثبيت سعر صرف كان بمثابة «مخدر» لأزمة بنيوية. وعندما حان وقت الحساب، وجد لبنان نفسه أمام «صندوق نقد» لا يرحم، يطالب بإصلاحات هيكلية مؤلمة تبدأ من شطب الودائع ولا تنتهي برفع الضرائب، لأن المال المقترض «أُكل» ولم «يُستثمر».
القصة: المصنع الواعد مقابل الدكان المفلس
تخيّل اقتصاد الدولة كـ «مصنع». أميركا واليابان تقترضان لشراء آلات حديثة وتدريب المهندسين؛ المصنع ينتج أكثر، فيسدد الدَّين من أرباحه ويزيد ثراءً. أما لبنان، فكان «دكاناً» يقترض ليشتري بضائع يوزعها بالمجان على المحاسيب دون إنتاج قطعة واحدة للبيع. النتيجة؟ عندما طرق الدائنون الباب، كانت الرفوف خاوية والخزينة منهوبة.
ما وراء عصر السندات الورقية
إن ختام هذه المأساة لا يتعلق فقط بتسديد الأرقام، بل بفتح آفاق حول «السيادة الاقتصادية» في عصر التحول الرقمي. نحن أمام انعطافة تاريخية؛ القوة القادمة لن تُقاس بمخزون الذهب، بل بـ «سيادة البيانات» والطاقة المتجددة.
أمام تساؤلين مصيريين
هل سنشهد «ديوناً خوارزمية» تعتمد على قدرة الدول على الابتكار التقني كضمانة بديلة عن السندات التقليدية؟
وهل يمكن لدولة مثل لبنان أن تنتقل من «اقتصاد الريع» إلى «منصة خدمات رقمية» لتخرج من فخ الديون الورقية إلى رحابة الاقتصاد المعرفي؟
الدَّين أداة، واليد التي تمسكها هي التي تحدد المصير. في يد المبتكر، هو وقود للمستقبل، وفي يد العاجز، هو مقبرة للحاضر. والسؤال الحقيقي ليس متى ستفلس القوى العظمى، بل متى سنتعلم نحن كيف نقترض لنبني، لا لنشتري يوماً إضافياً من الوهم؟